كلية المنار للدراسات الإنسانية

دور المدارس القرآنية الحرّة في تنمية القيم الاجتماعية لدى تلميذات المرحلة الابتدائية من وجهة نظر المعلما

قشار زليخاء بنت صالح

الخميس 01 جانفي 2026

7

0

دور المدارس القرآنية الحرّة في تنمية القيم الاجتماعية لدى تلميذات المرحلة الابتدائية من وجهة نظر المعلما

أوّلا: مقدمة الدراسة

تمهيد:

الحمد لله الذي شرف بالعلم العلماء، ولم يخص بشرف العلم الرجال دون النّساء، حين قال وقوله الحق: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَ۬للَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اِ۬لْعُلَمَٰٓؤُاْۖ﴾. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيِّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد.

إنّ من أعظم ما يكتنزه الانسان، ويبقى له ذخرا له في الدنيا ويثاب عليه في الآخرة حسن الخلق، ولقد امتنّ الله على رسوله الكريم بأن وهب له هذا الخلق فقال في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم﴾ [سورة القلم الآية (4)]، وحينما تحدّث عن نفسه صلى الله عليه وسلم حصر رسالته في قوله: (إِنَّمَا بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخلاَق).

استنادا لما تقدّم، تتناول هذه الدراسة أحد المواضيع الاجتماعية التي تثير اهتمام الدارسين والباحثين في مجال التربية والتعليم، حيث يعدُّ موضوع القيم من الموضوعات التي تقع في دائرة اهتمام العديد من التخصصات، كما لا يقلّ أهمية في علم الاجتماع والتربية، لما لها من دور بارز في تشكيل شخصية الفرد وبناء المجتمع.

وفي هذا السياق تقتصر هذه الدراسة على دور المدارس القرآنية الحرة في تنمية القيم الاجتماعية لدى تلميذات المرحلة الابتدائية من وجهة نظر المعلمات "دراسة ميدانية على عينة من المدارس الحرة للبنات بوادي مزاب".

1. إشكالية الدراسة:

في ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة التي فرضتها العولمة والتكنولوجيا الحديثة، "تواجه المجتمعات تحديات كبيرة في الحفاظ على هويتها الثقافية وقيمها الاجتماعية، "فأصبح ذلك يشكل تحديات فكرية دخيلة تغير القناعات وتهدد لبنة القيم الاجتماعية، وأوشكت القيم المادية على السيطرة والتحكم وحدها بمصير الإنسان والكون" (صبحي،1985، ص 57).

من هذا المنطلق تثار إشكالية جوهرية حول مدى قدرة المدرسة الحرة بمنطقة وادي ميزاب على الاستمرار في أداء رسالتها القيمية، لاسيما في تعليم البنات، مع تزايد الاهتمام بالعلوم الدنيوية والمناهج الحديثة، إذ يطرح هذا الواقع تساؤلات حول طبيعة التوازن بين متطلبات الانفتاح التربوي والحفاظ على المرجعية القيمية، وحول الكيفية التي يمكن من خلالها تطوير المضامين التعليمية بما يستجيب لمتطلبات العصر دون الإخلال بالهوية القيمية للمجتمع المحلي.

انطلاقا من هذه الإشكالية، تتضح الفجوة العلمية في محدودية الدراسات التي تناولت تعليم البنات في المدارس الحرة بمنطقة وادي ميزاب، من زاوية تحليل العلاقة بين التحديث التربوي والحفاظ على المرجعية القيمية، من خلال التوازن بين متطلبات التعليم المعاصر ودور المدرسة الحرة في غرس القيم داخل المجتمع المحلي.

وبناء على هذه الفجوة، طرحت الدراسة التساؤلات الاسترشادية أو التمهيدية التي ساعدت في صياغة التساؤلات الرئيسية للبحث، ومن بينها ما يلي:

1 هل لاتزال المدرسة الحرة قادرة على أداء دورها في ترسيخ القيم في ظل التغيرات التي فرضها التعليم المعاصر؟

2 كيف يمكن للمدرسة الحرة التوفيق بين متطلبات الانفتاح التربوي وبين الحفاظ على رسالتها القيمية داخل المجتمع المحلي؟

3 هل يمثل الاقبال المتزايد على العلوم الدنيوية مؤشرا على وعي تعليمي متطور أم تهديدا للمرجعية الدينية الأصيلة؟

4 ما المواد الجديدة التي ينبغي أن تدرس بشكل واضح ومنهجي في مدارسنا الحرة لتعد بناتنا لعالَم متغير؟

ولأهمية الموضوع وأثره في المجتمع، اخترنا إجراء الدراسة وسط المدارس القرآنية الحرة بمنطقة وادي مزاب والتي حاولنا فيها الإجابة على التّساؤلات الرئيسية التالية:

1.ما مدى وعي المعلمات بالقيم الاجتماعية وأهمّية تنشئة المتعلمات عليها في المرحلة الابتدائية؟

2. ما هي القيم الاجتماعية التي يجب غرسها في المرحلة الابتدائية من وجهة نظر المعلمات؟

3. ما هي الوسائل والأساليب المستعملة في عملية غرس القيم الاجتماعية لدى المتعلمات في المرحلة الابتدائية؟

4. ما هي التحديات التي تواجه المعلمات في عملية غرس القيم الاجتماعية لدى المتعلمات في المرحلة الابتدائية؟

5. ماهي أساليب مواجهة تحديات غرس القيم الاجتماعية لدى المتعلمات في المرحلة الابتدائية؟ 

2. أهمية الدراسة:

تعدّ هذه الدراسة مطلبا ملحّا لأجل الوقوف على بعض الجوانب المهمّة في موضوع غرس القيم في المحيط المدرسي، كما أنّ التّركيز على المرحلة الابتدائية أمر مهم في تشكيل شخصية الطّفل وترسيخ المبادئ والقيم الأساسية التي تؤثّر في سلوكه مستقبلا، خاصة في ظل التغيرات المعاصرة.

"فالقيم الاجتماعية تعتبر هي الضابط والمعيار الأساسي للسلوك الفردي والاجتماعي، ولا يمكن تحديد الأهداف التربوية لتكون معبرة عن طبيعة الإنسان وطبيعة المجتمع إلا عن طريق المنظومة القيمية.

الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى تضافر الجهود وتحمل المسؤولية المشتركة لمحاربة الأفكار الدخيلة التي تؤدي إلى تذويب القيم وتغيير القناعات".(نويصر، 2011، ص 42).

 

3. أهداف الدراسة:

سعت الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  1. تحديد مدى وعي المعلمات بالقيم الاجتماعية وأهمية تنشئة المتعلمات عليها في المرحلة الابتدائية.

2.تحديد أهم القيم الاجتماعية التي يجب غرسها في المرحلة الابتدائية من وجهة نظر المعلمات.

3.معرفة الوسائل والأساليب المستعملة لغرس القيم الاجتماعية لدى المتعلمات في المرحلة الابتدائية.

4.استكشاف التحديات التي تواجه المعلمات في عملية غرس القيم الاجتماعية لدى المتعلمات في المرحلة الابتدائية.

5.تحديد أساليب مواجهة تحديات عملية غرس القيم الاجتماعية لدى المتعلمات في المرحلة الابتدائية. 

4. تحديد مفاهيم الدراسة:

1.4. المدارس القرآنية الحرة بوادي مزاب:

المدارس القرآنية الحرة في وادي ميزاب في سياقها المعاصر باتت تحمل طابعا خاصا يميزه عن السابق، وذلك بالنظر الى التحولات التي شهدها هذا النوع من التعليم، لاسيما بعد خضوع جزء من مناهجها لإشراف الدولة ورقمنتها، مما أفرز تداخلا بين الطابع التقليدي الذاتي لهذه المدارس وبين متطلبات التنظيم الرسمي الحديث.

حيث كانت في الماضي مدرسة تربوية تعليمية لا علاقة لها بالمنظومة التربوية، ولا تتدخل في تسييرها وتمويلها ولا في إعداد مقرراتها أو تنظيم برامجها، وهي مدرسة أنشئت من تبرعات المحسنين، وتكون غالبا تابعة للمسجد، والتّعليم فيها عربي في اللغة، قومي في مناهجه، وطني في أغراضه وأهدافه (اعمامرة، 1975، ص 245).

 2.4. القيم الاجتماعية:  

القيم الاجتماعية هي " مجموعة المبادئ والمعايير التي تنظم سلوك الأفراد داخل المجتمع، وتحدد ما يعتبر صوابا أو خطأ، مقبولا أو مرفوضا، وفقا للعادات والتقاليد والثقافة السائدة".

(شريف، 2005، ص 25). 

3.4. تنمية القيم الاجتماعية:

تنمية القيم الاجتماعية تشير إلى العملية التي يتم من خلالها تعزيز وترسيخ المبادئ والمعايير التي يفضلها المجتمع، والتي توجه سلوك الأفراد نحو ما هو مقبول اجتماعيا، "تكتسب هذه القيم عبر عمليات التنشئة الاجتماعية، حيث يتعلم الأفراد قيم المجتمع ويتصرفون وفقا للأعراف السائدة، وتتميز القيم الاجتماعية بكونها مكتسبة، إلزامية، عامة، ومرنة تتغير مع مرور الوقت" (المعايطة، 2000، ص41).

ويقصد بها في هذه الدراسة مدى إسهام المدرسة القرآنية حرة بوادي مزاب، من وجهة نظر المعلمات في ترسيخ القيم الاجتماعية لدى التلميذات من خلال الأنشطة التربوية وأساليب التدريس والبيئة التعليمية.

 

4.4. المرحلة الابتدائية:

المرحلة الابتدائية هي المرحلة التعليمية الأولى التي يلتحق بها الأطفال بعد مرحلة رياض الأطفال، وتستهدف الفئة العمرية من 6 الى 12 سنة تقريبا، يتلقى فيها التلاميذ تعليما أساسيا يشمل مهارات القراءة، والكتابة ، والحساب بالإضافة الى علوم أخرى، وتهدف هذه المرحلة إلى بناء أساس قوي للمعرفة والمهارات الأساسية، وتعزيز القيم الاجتماعية والأخلاقية لدى التلاميذ، مما يمكنهم من الانتقال الى المراحل التعليمية اللاحقة، وقد تمّ تحديد هذه المرحلة العمرية كميدان للدراسة لتقييم مدى وعي المعلمة في بناء القيم الاجتماعية لدى التلميذات.

 

ثانيا: الجانب الميداني للدراسة

1 الدراسة الاستطلاعية:

بهدف التحقق من صلاحية أسئلة المقابلة ومدى وضوحها وقابليتها للإجابة وذلك قبل تطبيق الأداة على العينة الأساسية للدراسة، أجرت الباحثة دراسة استطلاعية تمهيدية مع معلمتين من المرحلة الابتدائية.

وقد تمت المقابلة بشكل فردي، حيث تم التركيز على مدى فهم المعلمتين للأسئلة وطبيعة الإجابات التي تقدمها كل واحدة منهما، إضافة إلى حساب المدة الزمنية التي استغرقتها المقابلة.

أظهرت الدراسة الاستطلاعية أن أسئلة المقابلة كانت في المجمل واضحة وملائمة. إلا أن هناك حاجة لتعديل بسيط في صياغة بعض الأسئلة لتكون أكثر تحديدا وتجنب التكرار وتوجيهها بشكل يساعد في الحصول على بيانات أكثر عمقا وثراء.

2. حدود الدراسة:

الحدود الموضوعية: اقتصرت الدراسة على دراسة دور المدارس القرآنية الحرة في تنمية القيم الاجتماعية من وجهة نظر المعلمات.

الحدود البشرية: تكَوّن مجتمع الدراسة على معلمات المدارس القرآنية الحرة في منطقة وادي مزاب من مستوى التعليم الابتدائي، تم اختيار هذا المجتمع بشكل مقصود باعتباره يمثل العينة المستهدفة لتحقيق أهداف الدراسة بشكل دقيق وموضوعي.

الحدود المكانية: تشمل الدراسة المدارس القرآنية الحرة بوادي مزاب، مع التركيز بشكل خاص على مدرستي النور والثبات، باعتبارهما نماذج تمثيلية لتحقيق أهداف الدراسة.

الحدود الزمنية: تم إجراء الدراسة خلال الموسم الدراسي 2024م/2025م

3.منهج الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج النوعي باعتباره منهج بحثي يهدف إلى دراسة الظواهر في سياقاتها الطبيعية، مع التركيز على فهم المعاني والتفسيرات والتجارب من وجهة نظر المشاركين، حيث يعتمد على جمع البيانات النوعية مثل الكلمات أو النصوص أو الملاحظات، بدلا من البيانات العددية..

 حيث يسمح بفهم تجارب وآراء معلمات المدارس القرآنية الحرة بشكل شامل من خلال التفاعل المباشر معهن.

4. عينة الدراسة:

شملت عينة الدراسة 20 معلمة من المدارس القرآنية الحرة، يعملن ضمن الطور الابتدائي، مما يتيح إجراء دراسة حول موضوع غرس القيم في هذا النوع من المدارس التعليمية.

5. أداة الدراسة: 

اعتمدت الدراسة على أداة المقابلة لجمع البيانات، شملت الأداة في البداية 18 سؤالا، وتم عرضها على استاذتين متخصصتين الأولى حاصلة على شهادة ليسانس تخصص الشريعة والثانية حاصلة على شهادة ماستر تخصص علم النفس، وعلى ضوء الملاحظات تم حذف 8 أسئلة من النسخة الأولية وتعديل 3 أسئلة ليصبح العدد النهائي 10 أسئلة مناسبة لتحقيق أهداف الدراسة.

6. طريقة تحليل البيانات: 

جمع البيانات:

أجرت الباحثة المقابلة شبه موجهة مع 15 معلمة بطريقة مباشرة و5 مقابلات تمت عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي نظرا لارتباط المعلمات بمواعيد الاختبارات أثناء جمع البيانات.

تحقيق صدق تحليل النتائج:

حرصت الباحثة على تحقيق صدق تحليل نتائج البحث النوعي من خلال ما يلي:

  1.  عرض بعض التحليلات على باحثين متخصصين في المجال التربوي بهدف التحقق من سلامة التفسير ودقته.
  2. مقارنة النتائج مع ما ورد في الدراسات السابقة لتعزيز فهم النتائج في ضوء الأبحاث العلمية.
  3. مراجعة النتائج مع بعض المعلمات المشاركات في الدراسة، للتأكد من دقة تمثيل آرائهن.

وبذلك سعت الباحثة إلى ضمان الصدق والموضوعية في تحليل البيانات

 

ثالثا: عرض النتائج وتحليلها

يعدّ هذا الفصل من أهم فصول البحث، إذ يتناول عرض النتائج التي تمّ التوصّل إليها من خلال المقابلات وتحليلها في ضوء أسئلة الدراسة وأهدافها، وقد تمّ التركيز على التحليل الكيفي (النوعي) باعتباره الأداة الأساسية التي تمكّن الباحث من استقراء المعاني الكامنة في إجابات المشاركات والكشف عن مدى وعيهنّ بأبعاد الظاهرة المدروسة.

قد تلاحظ اللجنة الموقرة حضور بعض المؤشرات الكمية في الدراسة، (النسب المئوية)، رغم اعتمادها أساسا على المنهج النوعي، يشار هنا إلى أن المنهج المختلط ((MixedMethods هو منهج علمي يجمع بين الكمي والنوعي معا، غير أن هذه الدراسة لم تعتمد المنهج المختلط بشكل كامل، وإنما استخدمت المؤشرات الكمية كأداة مساعدة ثانوية لتوضيح قوة حضور بعض الأفكار والاتجاهات وتكرارها بين أفراد العينة، مما يفضي مزيدا من الدقة ويعزز مصداقية النتائج المستخلصة، بالإضافة الى تحليل النتائج على ضوء الأدبيات والدراسات السابقة.

1. عرض نتائج التساؤل الأول ومناقشتها:

ينص التساؤل الأول على ما يلي: ما مدى وعي المعلمات بالقيم الاجتماعية وأهمية تنشئة المتعلمات عليها في المرحلة الابتدائية؟

النتيجة:

استنادا لتحليل البيانات التي تم جمعها من خلال المقابلات، أظهرت نتائج الدراسة أنّ المعلمات في المدارس القرآنية الحرة يمتلكن مستوى وعي مقبول بالقيم الاجتماعية، وذلك بناء على تفاعلهن ومناقشتهن مع موضوع الدراسة، وهذا يعكس بوجود قاعدة معرفية وفهم أساسي للقيم.

 كما أوضحت البيانات بوجود بعض السلوكيات السلبية بين المتعلمات، مثل عدم الاحترام والتنمر والكذب والتمرد والسرقة، بدرجات متفاوتة مما يعكس الحاجة الى تعزيز القيم عمليا في الصف.

التحليل:

يشير هذا التفاوت في السلوكيات إلى أن بعض المتعلمات لم يكتسبن القيم عمليا بعد، رغم وعي المعلمات بأهميتها.

كما يظهر أن وعي المعلمات قد يكون مقبولا نظريا فقط، ولا يظهر دائما بنفس القوة في الممارسات اليومية أو في التفاعلات الصفية مع المتعلمات، هنا يمكن ربط نتائج المقابلات بالممارسة العملية لمعرفة مدى ترجمة هذا الوعي النظري إلى خطوات عملية ملموسة تؤثر في سلوكيات المتعلمات، وما إذا كان مجرد معرفة نظرية أم ينعكس فعليا في التعلم والسلوك.

التفسير:

يمكن تفسير هذا التفاوت بأن التطبيق العملي للقيم يحتاج الى استراتيجيات تعليمية منهجية لتعزيز السلوكيات الايجابية وتقليل السلوكيات السلبية بين المتعلمات، ويتقاطع ذلك مع ما أشارت إليه دراسات (محمود 2012)؛ (فايز 2020)؛ (عبد العزيز 2020)؛ (الزهراني 2018)؛ التي أكدت أن وعي المعلمين بالقيم قد يكون مقبولا نظريا، لكن التطبيق العملي يتطلب برامج منهجية لدعم القيم عمليا، بما يضمن التوافق بين المعرفة والتطبيق.

  ا. عرض نتائج التساؤل الثاني ومناقشتها:

ينص التساؤل الثاني على ما يلي: ماهي القيم الاجتماعية التي تعتقدها المعلمة مهمة لغرسها لدى تلميذات المرحلة الابتدائية؟

من خلال تحليل البيانات التي تم الحصول عليها من خلال إجراء المقابلات تبين أن هناك أولويات واضحة وتفاوتات في إدراك أهمية بعض القيم الاجتماعية مقارنة بغيرها، حيث أظهرت النتائج أن معظم المعلمات ركزن على قيم محددة باعتبارها الأكثر أهمية للتنشئة عليها، مثل الاحترام والحياء والصدق، وقد أشار العدد من المعلمات أن هذه القيم تشكل الأساس لبناء سلوكيات إيجابية لدى المتعلمات في الصف.

التحليل:  

من خلال تحليل البيانات يتضح أن هناك تغليبا للقيم الفردية المرتبطة بالمواقف الشخصية المباشرة، بينما كانت القيم المرتبطة بتقديم الآخرين وتقديرهم، مثل الإيثار، الاخلاص، المسؤولية، التسامح، التواضع، كانت أقل حضورا وظهرت بدرجات متدنية، وهذا يشير إلى أن غرس القيم في المرحلة الابتدائية يميل الى التركيز على السلوكيات الفردية المباشرة مع وجود حاجة لتوسيع التركيز ليشمل القيم التي تعزز التفاعل الاجتماعي والتقدير للآخرين.

التفسير:

يمكن تفسير هذا التفاوت بأن التركيز الأكبر على القيم الفردية يعكس طبيعة البرامج التعليمية الحالية أو الممارسات الصفية التي تركز على السلوكيات المرئية المباشرة.

ويتوافق ذلك مع نتائج الدراسات (عبد الله 2012)؛ (خلف 1017)؛ويجدر الإشارة أن غرس القيم الاجتماعية يتطلب توازنا بين القيم الفردية والقيم المرتبطة بالمجتمع والآخرين لضمان تنمية شخصية متكاملة لدى المتعلمات في المرحلة الابتدائية.

3. عرض نتائج التساؤل الثالث ومناقشتها

ينص التساؤل الثالث على ما يلي: ما هي الأساليب التربوية التي تعتمد عليها المعلمة في عملية غرس القيم الاجتماعية داخل الفصل الدراسي؟

النتيجة:

من خلال تحليل بيانات الدراسة تشير النتائج أن المعلمات يعتمدن بدرجة أكبر على أسلوب الوعظ والارشاد والسرد القصصي بوصفها أساليب مألوفة في الممارسة التربوية داخل الصفوف المدرسية، ويعكس هذا التوجه حضورا قويا لطرائق تقوم على التوجيه المباشر ونقل القيم بصورة جاهزة للمتعلمات.

في المقابل كشفت النتائج عن نقص توظيف الأساليب التفاعلية التي تقوم على إشراك المتعلمات في عملية بناء القيم، مثل إعمال الفكر وضرب الأمثلة واستثمار الأنشطة الجماعية وربطها بالمواقف الحياتية.

التحليل:

يعكس هذا التوجه هيمنة نمط تدريسي في التربية القيمية، يقوم على نقل القيم بصورة مباشرة، دون الاعتماد المكثف على التفاعل أو المشاركة الصفية، ويلاحظ أن الأساليب التي تتطلب تخطيطا بيداغوجيا موسعا أو تنظيما للأنشطة الجماعية لا تحظى بالحضور نفسه ضمن الممارسات الصفية المعتادة.

تفسير النتائج:

تتفق نتائج الدراسة الحالية مع ما توصلت إليه بعض الدراسات منها (حمودة 2015)؛ (عبد الله 2012)؛ (محمود 2021)؛ حيث بينت جميعها أن المعلمين يميلون الى استخدام الأساليب التقليدية في غرس القيم، ويعزى ذلك إلى عوامل تنظيمية وبيداغوجية مثل ضيق الوقت وكثافة البرنامج الدراسي، وليس لقلة وعي المعلمة بأهمية الأساليب الحديثة، وتعكس هذه النتائج أن اعتماد الأساليب التقليدية يمثل نمط شائعا ومستقرا ضمن الممارسة التربوية، مع إمكانية تعزيز دور الأساليب التفاعلية عند توفر الظروف المناسبة.

4. عرض نتائج التساؤل الرابع ومناقشتها

والذي ينص على ما يلي: ما هي التحديات التي تواجه المعلمة في عملية غرس القيم الاجتماعية لدى تلميذات المرحلة الابتدائية؟

النتيجة:

أظهرت نتائج الدراسة أن المعلمات يواجهن عدة تحديات في عملية غرس القيم الاجتماعية، حيث تختلف في درجة تأثيرها، وقد جاءت الخلفية الأسرية كأهم تحدي يؤثر على فاعلية غرس القيم، تليها ضغط الوقت وكثافة المناهج مع نقص الدورات التكوينية إلى جانب القيود المتعلقة بالمقررات الرسمية وقلة الوسائل التعليمية الحديثة ورقمنة المدارس الحرة.

تحليل النتائج:

تشير هذه النتائج إلى أن البيئة الأسرية تعد العامل الأكبر تأثيرا في عملية غرس القيم، إذ تؤثر بشكل مباشر على مدى فعالية ما تقدمه المدرسة، بينما توجد تحديات أخرى تؤثر على الممارسة الصفية، إلا أن دور الأسرة يظل الركيزة الأساسية التي تقوم عليها عملية التربية القيمية.

تفسير النتائج:

يشير ظهور الخلفية الأسرية كأهم تحدٍ إلى أن الأسرة تمثل الركيزة الأساسية في تكوين القيم، بينما المدرسة تعمل كداعم لهذه العملية، وتبرز هذه النتيجة فجوة علمية مهمة لم تسلط عليها الدراسات السابقة مباشرة.

وتتفق الدراسة على مع ما أشار إليه (عبد العزيز2020)؛ (والزهراني 2018)؛ (وحمودة 2015)؛ لكن هذه الدراسة تضيف بعدا جديدا يتمثل في الدور المحوري للأسرة، مما يكد ضرورة تكامل جهود الأسرة والمدرسة لضمان فعالية التربية القيمية.

  

5. عرض نتائج التساؤل الخامس ومناقشتها:

والذي ينص على ما يلي: ما هي الأساليب التي تستعملها المعلمة لمواجهة تحديات غرس القيم الاجتماعية؟

النتيجة:

من خلال تحليل البيانات لم تتحصل الباحثة على أساليب واضحة تستعملها المعلمة لمواجهة تحديات غرس القيم الاجتماعية، حيث اكتفت العينة بتقديم بعض الاقتراحات التي قد تساهم في مواجهة تحديات غرس القيم الاجتماعية في المحيط المدرسي.

 تحليل النتائج:

تشير هذه النتائج إلى وجود غياب شبه كامل للأساليب الممنهجة لمواجهة صعوبات غرس القيم، ويعكس ذلك أن المعلمات على الرغم من وعيهن بأهمية غرس القيم، يقتصر دورهن على اقتراح حلول عامة وغير منظمة، بدل اعتماد أساليب واضحة ومدروسة تمكنهن من التعامل مع التحديات العملية التي تواجه التربية القيمية.

تفسير النتائج:

قد يشير غياب الأساليب الواضحة إلى وجود فجوة بين التحديات التي تواجهها المعلمات والحلول التي يتم تطبيقها فعليا، وقد يكون السبب هو غياب استراتيجية موحدة أو توجيه واضح من المناهج التربوية، أو غياب التكامل بين الأسرة والمدرسة حيث تصبح محاولات المعلمات مجهدة وغير فعالة.

وهذا ما أشارت إليه دراسة عبد العزيز (2020) إلى أن التغيرات القيمية تتطلب تدريبا مستمرا للمعلمين ليتمكنوا من التعامل مع هذه المستجدات بمرونة وكفاءة.

الاستنتاج العام:

في ضوء أهداف الدراسة وتساؤلاتها، توصلت الدراسة إلى أنّ المدارس القرآنية الحرة بمنطقة وادي مزاب تؤدّي دورًا هامًا في تنمية القيم الاجتماعية لدى المتعلمات في المرحلة الابتدائية وفقا لآراء المعلمات، غير أنّ هذا الدور يعاني من بعض القصور في الأداء الفعلي، مما يشير إلى الحاجة إلى تعزيز هذا الدور وتفعيله بشكل أكثر منهجية وفعالية.

كما أظهرت الدراسة وجود تحديات تعيق عملية غرس القيم داخل الفصل الدراسي، وكان أبرزها ضعف دور الأسرة، مما يشير بوضوح إلى أن الأسرة تعدُّ العامل الأساسي المؤثر في تقدم مستوى القيم الاجتماعية أو تراجعها.

 

ختاما، تظل المدرسة القرآنية الحرة حجر الأساس في صيانة منظومة القيم الاجتماعية في ظل التغيرات المعاصرة، ولكن لا يكتمل أثرها إلا بتكامل جهود الأسرة التي تشكل البيئة الأولى في عملية غرس القيم، فالتعاون بين الأسرة والمدرسة يضمن تربية متوازنة لجيل جديد قادر على مواجهة تحديات العصر.

ولما كان هذا العصر يتسم بالتغيير السريع والتعدد الثقافي، فإن ذلك يستدعي اعتماد أساليب تربوية متجددة ومتنوعة في غرس القيم، تتلاءم مع مستجدات الواقع، دون التفريط في الثوابت التي تحفظ تماسك المجتمع وهويته.  

 

توصيات:

1. وضع دليل منهجي موحد لتعزيز القيم الاجتماعية في المدارس القرآنية الحرة بمشاركة تربويين مختصين.

2. إقامة شراكة بين المدرسة والأسرة من خلال لقاءات دورية واجتماعات لمناقشة القيم التي يجب العمل على غرسها. فالأسرة تعتبر الحاضنة الأساسية لغرس القيم لدى الناشئة.

3. الوقوف عند بعض المفاهيم المرتبطة بحياة المتعلمة وظروفها وبيئتها في حال وجود سلوكيات غير مرغوب فيها.

4. إقامة دورات تدريبية للمعلمات لتطوير مهاراتهن في عملية غرس القيم داخل الصفوف الدراسية.

5. توفير بيئة مدرسية تعزز القيم من خلال البرامج اللاصفية مثل النوادي، الرحلات التعليمية، العمل الجماعي...إلخ

6. تقييم مستمر لتقدم غرس القيم من خلال إنشاء نظام متابعة وتقويم دوري لمعرفة مستوى القيم الاجتماعية لدى المتعلمات وتحليل العوامل المؤثرة فيها.  

أضف تعليقا