كلية المنار للدراسات الإنسانية

صرف الزكاة في طلب العلم

د. محمّد بن صالح حمدي

الخميس 01 جانفي 2013

46

0

صرف الزكاة في طلب العلم

 

 

 

إن الزكاة من الفرائض المالية التي فرضها الله على المسلمين وضبطها بضوابط محدودة،

 

 

وبيّن قنوات صرفها، لتحقيق هدف أسمى من أهداف الشريعة الإسلامية السمحاء، وهو

 

 

ضمان حد الكفاية لكل مسلم، فإذا كان العمل من أوكد الواجبات لتحقيق هذا الهدف، إلا أن

 

الفرد إذا لم يتمكن من وصول هذا الحد بموارده الذاتية، لسبب من الأسباب، فالزكاة هي

 

التي تسد الخلل وتجبر النقص وتوصله إلى حياة حرة كريمة، ليعبد ربه حق عبادته ويعيش

 

عيشة كريمة، في كنف العزة والطمأنينة...

 

وإذا كان طلب العلم من أوكد الفرائض على المسلمين، فقد حثت نصوص شرعية على طلبه {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة

 

ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ، فالآية تدل على وجوب تعميم العلم والتفقه في الدين،

 

والاستعداد لتعليمه وتفقيهه للناس، وإن المتخصصين في التفقه بهذه النية لا يقلون درجة عند الله عن المجاهدين بالمال والنفس

 

لإعلاء كلمة الله. 


وإذا لم يجد طالب العلم كفايته لأداء هذه المهمة من ماله الخاص، جاز له أن يأخذ من مال الزكاة للقيام بهذه الفرض الكفائي،

 

بل يتحول إلى واجب بالنسبة إلى جماعة المسلمين للقيام بهذا الفرض، إذا لم تتوفر السبل الأخرى لسد هذا الواجب.


مذاهب الفقهاء في صرف الزكاة لطالب العلم:


أرى أنه ينبغي التمييز بين حالتين لطالب العلم، ولكل منهما مصرفه:


أولا/ طالب علم فقير، ليس له مردود لضمان حد كفايته فهو محتاج، ولا يستطيع أن يجمع بين الكسب والعلم، فيدرج في صنف الفقراء،

 

فيعطى ما يكفيه لمعيشته ومزاولة تعلمه، من كتب وأدوات علم.


ثانيا/ طالب علم يمكن أن يجد ما يسد به حاجته من عمل حر أو وظيفة، غير أن تفرغه للعلم؛ لسد فرض من فروض الكفاية يجعله

 

محتاجا فقيرا، فهذا الصنف يدرج في سبيل الله -عند كثير من الفقهاء-.


فمصرف في سبيل الله، اختلف الفقهاء في مفهومه بين مضيق وموسع ووسط بين هذا وذاك ، وقد عقد الشيخ يوسف القرضاوي مبحثا

 

كاملا في آراء مختلف المذاهب والمفسرين قديما وحديثا، واختار رأيا وسطا بين الموسعين والمضيقين.

 

رأي بعض الفقهاء الإباضيين: 


نورد آراء بعض الفقهاء الإباضيين في هذا الموضوع:


*يقول الشيخ محمد بن يوسف اطفيش: (لا تحل للقوي إذا كانت له حرفة، وكان جامعا مالا، وإن احتاج إليها في طلب العلم أو معيشة

 

فلا بأس) .


*وفي التاج: (وقيل الساعي على العيال داخل في قوله في سبيل الله، كطالب علم خرج لأجله حتى يرجع) .


*وفي تفسير مفهوم في سبيل الله؛ يقول الشيخ عامر الشماخي في إيضاحه: (وفي سبيل الله ففي أثر أصحابنا عن الإمام أفلح بن عبد

 

الوهاب ـ رضي الله عنه ـ يعني به الغزاة في سبيل الله، إذا لم يكن في الفيء كفاف)  نلاحظ أن الشيخ اطفيش يدرج المحتاج وطالب

 

العلم في مصرف الفقراء، وعضد رأيه برأي صاحب التاج، الذي توسع أكثر فاعتبر الساعي على العيال وطالب العلم يندرجان في

 

مصرف سبيل الله، إلا أن الشيخ عامر قصر مفهومه على الغزو في سبيل الله، بناء على قول الإمام أفلح.


فقد جمع صاحب التاج: الساعي وطالب العلم والغازي كلهم في هذا المصرف، لاتحادهم في بذل الجهد والسعي والخروج، فالأول خرج

 

في سبيل كسب عياله، والثاني في سبيل طلب العلم، والثالث في سبيل مجاهدة العدو، فتعطى لهم الزكاة مقابل ذلك الجهد والسعي

 

والخروج في سبيل الله.

 

الرأي الراجح عندي:


إن توسيع مفهوم في سبيل الله، ليدخل فيه كل مصلحة من مصالح المسلمين؛ بما فيه طلب العلم؛ الذي ذهب كثير من المفسرين

 

المعاصرين أمثال سيد قطب والشيخ جمال الدين القاسمي وصاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا، قد يخرج ـ هذا التوسع ـ الزكاة من

 

خصوصية قصرها على أصناف محددة، كما نصت الآية الكريمة وكما ورد في أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال ردا على

 

أحد السائلين عن الصدقة: (إن الله لم يرض بحكم نبيء ولا غيره في الصدقة، حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء) . 

 

كما أن اقتصارها وحصرها في الجهاد المقصود منه الغزو والقتال في سبيل الله ومواجهة العدو مواجهة عسكرية محضة، يبعد أنواعا

 

عديدة من مواجهة العدو في الوقت الحاضر، فإن الجهاد قد يكون بالقلم واللسان، كما يكون بالسيف والسنان، وقد يكون فكريا أو

 

تربويا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا، كل هذه الأنواع تحتاج إلى التمويل والإمداد، والمهم أن يتحقق الشرط الأساسي، وهو أن

 

يكون في سبيل الله ونصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله في الأرض.


وكل ما ذكر إن لم يكن داخلا بالنص لوجب إلحاقه بالقياس، فكلاهما عمل يقصد به نصرة الإسلام والدفاع عنه.


تغير مفهوم الجهاد بتغير الزمان والمكان:


وإذا رأينا أن مفهوم الجهاد يتوسع ليشمل المفهوم المعاصر له، فيندرج تحته ألوان من الجهاد العلمي والفكري إلا أن الظروف

 

الزمانية والمكانية لها دور في تحديد ذلك المفهوم، فإنشاء مدرسة وإرسال بعثة علمية في الظروف العادية عمل صالح وجهد

 

مشكور يحبذه الإسلام، ولكنه لا يعد جهدا إلا إذا كان التعليم في هذا البلد أصبحت فيه المؤسسات التعليمية في يد المبشرين أو

 

الشيوعيين أو اللادينيين، فإن أعظم الجهاد هو إنشاء مدرسة إسلامية خالصة تعلم أبناء المسلمين وتحصنهم من معاول التخريب

 

الفكري والخلقي، وتحميهم من السموم المبعوثة في المناهج والكتب، أو فتح مكتبة تعمل على نشر الوعي الإسلامي والفكر

 

الديني، أو إنشاء مراكز إسلامية واعية تحتضن الشباب المسلم، وتقوم على توجيهه الوجهة الإسلامية الصحيحة، وحمايته من

 

الإلحاد والانحراف الفكري، والانحلال الخلقي، أو إنشاء صحيفة إسلامية خالصة تقف في وجه الصحف الهدامة المضللة،

 

وتعلي كلمة الله وتصدح بالحق، وترد عن الإسلام أراجيف وأكاذيب المفترين وشبهاتهم، أو نشر كتاب أصيل يحسن عرض الإسلام

 

ويكشف عن مكنون جوهره، أو تفريغ رجال أقوياء أمناء مخلصين للعمل في المجالات السابقة؛ بهمة وغيرة وتخطيط لخدمة الدين

 

وإيصال نوره إلى الآفاق.

 

كل هذه المجالات يمكن إدراجها في مصرف في سبيل الله إذا تحقق الشرطان:


1) أن يكون الغرض منها إعلاء كلمة الله والدفاع عن الحق وإزهاق الباطل.


2) ألا تسمح الظروف التي تمر عليها الأمة؛ بتمويل هذه المهام بغير صندوق الزكاة.


الضوابط التي يجب أن تتوفر في طالب العلم ليُعطى من صندوق الزكاة:


إلى جانب الشرطين المذكورين ، وهي أساسية وضرورية، نؤكد على هذه الأمور:


1) الالتزام الديني والخلقي لطلاب العلم، فلا يصرف على طالب العلم المستهتر بدينه وخلقه، ولو كان نجيبا.


2) ألا تصرف الزكاة في الترف العلمي، كالكتب المذهبة والمزركشة، وأدوات ووسائل العلم الفاخرة.


3) ألا تكون على حساب المستحقين الأصليين.


ختاما:


أرجو أن أكون قد أبديت رأيي في الموضوع، ويبقى مجرد رأي، ولن يرقى إلى الفتوى، كما أحرص على الاقتصار بقدر الإمكان في هذا

 

المصرف، مراعاة للضوابط والشروط، وأرى أن أفضل مورد للصرف على العلم هو الوقف، الذي يكون بإرادة الواقف، حتى لا يتحرج

 

القائمون على صندوق الزكاة، وحتى لا يُزاحم المستحقون الأصليون في حقوقهم.


ولقد حقق الوقف عبر الحضارة الإسلامية أهدافا نبيلة، بتوفير مقاعد للدراسة لطلاب العلم وتوفير كل احتياجاتهم، فتخرج العلماء

 

والفقهاء من المدارس والجامعات الإسلامية التي كان يمولها الوقف الخيري، إلى جانب المجالات الاجتماعية الأخرى التي كانت

 

 تمول أيضا من هذا المورد.

 

أضف تعليقا