كلية المنار للدراسات الإنسانية

الاجتباء الإلهي

د. محمّد بن صالح حمدي

السبت 12 ديسمبر 2013

27

0

الاجتباء الإلهي

 

 

 

نشرت صحف سعودية مقابلة مع السيد، "آرنود فان دورن" الهولندي الجنسية، منتج فيلم

 

فتنة المسيء للنبي محمد ( ص ) وقد أدى فريضة الحج، بعد أن أعلن إسلامه  ونطق

 

بالشهادتين، قائلا إن دموعه لم تتوقف منذ وصوله مكة المكرمة. وقال إنه "يعيش الآن

 

أجمل اللحظات"، وتكفيرا عن خطيئته وتأكيدا على حسن توبته فهو يعتزم  إنتاج فيلم آخر

 

يعكس خلاله أخلاق سيد البشر.

 

وأكد "فان دورن" أنه وجد في الإسلام ما كان يفتقده في حياته السابقة، موضحًا أنه عندما يتذكر حياته السابقة يرى أنه "كان

 

كمن يقبض الريح" فتلك حياة من يعرض عن ذكر الله ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا..﴾ [طه:124]. علما انه

 

كان ينتمي للحزب اليميني المتطرف المعادي للإسلام والمسلمين، فسبحان الله مقلب القلوب الذي يهدي من يشاء إلى الصراط

 

المستقيم. فكيف نفسر هذا الانقلاب وهذا التحول في حياة إنسان يصل إلى أسفل دركات الفساد الفكري والخلقي ويصل به الأمر

 

إلى حد الاستهتار بالحبيب المصطفى المبعوث رحمة للعالمين، ثم يعود عن غيه ويتوب عن جرمه، ويدخل في رحاب دين الله

 

خاشعا مستسلما؟

 

هذا هو الاجتباء الذي تشير إليه الآية الكريمة ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [سوررةالشورى ، آية 13

 

فالآية الكريمة تشير إلى أمرين اثنين يمكن أن يرقى بهما الإنسان من الضياع والضلال إلى صعيد الهداية ومعرفة الله: الاجتباء

 

والهداية، وتبين مصدر كل منهما، فالاجتباء أمر إلهي محض يخص به من يشاء من عباده المسلمين فيقذف في نفوسهم التوبة

 

والإنابة إلى الله و يشع قلوبهم بالعناية الربانية، أما الهداية فتكون من الله أيضا ولكن بعمل وجهد من الإنسان وهي الإنابة والتوبة

 

والإقلاع عن المعاصي والتوجه إلى الله بالإنابة والندم.

 

   وكم من أشخاص التفتت إليهم العناية الإلهية فانتشلتهم من وهدة الردى وضلال الغواية فأشرقت قلوبهم بنور الله الذي أشرقت

 

له السماوات والأرض، والتاريخ يذكرنا بشخصيات كانت تتمرغ في وحل الرذيلة والمعاصي انقلبت بعد عشية وضحاها إلى ذرى

 

الزهد والصلاح والتقوى والاستقامة، من أمثال الفضيل بن عياض[1] الذي تحول خلال دقائق في جوف ليل مظلم من فتاك قاطع

 

طريق إلى متنسّك رباني، وأنت أيها القارئ الكريم قد مررت خلال حياتك على أناس تعرف فيهم الاستهتار و التقلب في المعاصي،

 

ثم تحولوا في لحظة من اللحظات، بفضل الله ولِسِرٍّ لا يعلمه إلا هو، إلى رجال ربانيين متنسكين، فاستقاموا على طريق الهدى

 

والرشاد، وما حال الفنانين والمطربين والمطربات التائبين والتائبات عنا ببعيد، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقت ما يشاء.

 

العبر التي نستخلصها من هذا الواقعة

 

- القلوب بين يدي الرحمن يصرفها كما يشاء، وإنه إذا رأينا عاصيا وشاردا على الله فلا نحكم بالشقاء والمصير الحتمي إلى النار،

 

فربما سيجتبيه ربه وتلتفت إليه العناية الإلهية، أو يهديه ربه بعد توبته وإنابته إلى الله تعالى.

 

- ينبغي ألا يمل الدعاة والمرشدون من الدعوة إلى الله،  وكل مسلم  مكلف بالدعوة إلى الله عز وجل،  فقد يهدي قلب رجل على

 

يديك، شرد عن الله و استهوته نفسه، فيحسن إسلامه و يكون أكثر تقوى و صلاحا من كثير من المسلمين، فتنال الأجر الذي أشار

 

إليه الرسول (ص):" لأن يهدي الله رجلا على يديك خير لك من حمر النعم."، فسبيل الدعوة إلى الله  قائم إلى يوم الدين، فلا تقنت

 

ولا نيأس من الدعوة، فعسى الله أن يقذف  في قلوب من تدعوهم نور الإيمان في لحظة من اللحظات، استجابة وتأثرا بدعوتك.

 

- نلاحظ مكر و خبث وسائل الإعلام العالمية  الخاضعة للوبي  الصهيوني، والتي تعمل على الصّد عن سبيل الله و عن كل ما يدعو

 

لهذا الدين وتمكينه في الأرض، فقد أذاعت ونشرت وروجت تلك الصور المسيئة للرسول الكريم (ص) بروح التشفي على المسلمين،

 

بينما الآن تسكت عن توبة ناشر الفيلم واعترافه بذنبه، بل وإعلان إسلامه، فسكتت عن هذا الحدث لأنه لا يخدم مصالحها

 

وأغراضها في إطفاء نور الله الذي يأبى الله إلا أن يتمه و لو كره الكافرون.

 

والخلاصة النهائية من هذه الحادثة المثيرة تبين أن الله تعالى فطر الإنسان على الإسلام و الاستسلام و العبودية له، وميزه بالعقل

 

الذي يفرق به بين الحق والباطل والخير والشر، إلا أن  غواية الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والبيئة الفاسدة تحول بينه وبين

 

هذه الفطرة واستخدام العقل، فيرتد إلى أسفل سافلين، فيخفت صوت الفطرة ونور العقل، وتبقى كامنة غير فعالة في أعماق النفس،

 

وقد تستيقظ هذه القوى بالهداية الإلهية والذكر والإصغاء إلى صوت الفطرة كما هو حال صاحب هذه القصة.

 

نسأل الله أن يثبت قلوبنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة و الحمد لله رب العالمين.



[1] محمد سعيد رمضان البوطي، الحكم العطائية، شرح و تحليل، دار الفكر، دمشق،"ط:3، س:2007، مج:1، ص:125

أضف تعليقا