أتساءل كثيرا في خضم الحياة المتسارعة وأحداثها المتلاحقة عن التاريخ، عن أهميته، وعن جدوى الرجوع إليه وتقليب صفحاته. بحثت عن معنى مفهوم التاريخ فوجدت بأنه ذاكرة الأمم، وبأنه مرآة الشعوب، وبأنه حقل تجارب للحضارات، وغيرها من التعريفات. على كل فإن التاريخ كتاب يحفظ كل ما يفعله الناس في كل لحظة مضت من الزمان عبر ما مضى من العصور. وكلما مرت ثانية على حدث ما يدون تلقائيا في سجلات التاريخ.
إذا أردنا أن نفهم واقعنا، أو أن نعرف أين ستكون غدا مواقعنا علينا بقراءة التاريخ بتبصر، فإن كلماته خطته أجيال متعاقبة مرت عليهم أيام كما تمر علينا أيامنا هذه. إذن فالأمم التي تعرف المعنى الحقيقي لقراءة التاريخ، وتسير وفق خطة استخرجت منهجه من دروس التاريخ وعِبره هي حتما أمم رائدة راشدة قائدة .مثلما هو حال شعوب حضارة الغرب، فقد جعلوا من تاريخهم –حقيقة كان أم مزيفا أم مختلقا من عدم- دافعا لهم نحو صناعة الحضارة المادية، دون عائق يقف في طريقهم. وهذه شعوب الشرق نراها قد فشلت في التعامل مع العصر الراهن، وتخلفت عن ركب الحضارة والصدارة، بعد أن فشلت في قراءة التاريخ، واتخاذ المواقف المناسبة منه.
فما هو المطلوب منا إذن كي نستفيد من تاريخنا ويكون لنا حافزا على الزيادة لا حائلا عن الريادة؟.
فهل علينا أن نرجع إليه ونعيشه بكل تفاصيله ونتفاعل معه، فنضحك في موضع الضحك ونبكي في موقع البكاء؟. أم أن علينا أن نأتي بقضايا عصرنا ونبحث لها عن حلول في التراث.
كلا، فقراءة التاريخ ليست سردا للأحداث ولا اجترارا للوقائع والقصص التي خلت، فإنها قد مضت ولن تعود إلى يوم الدين. وإنما القراءة التي نرجوها للتاريخ هي دراسة هذه الأحداث بكل موضوعية، والتفاعل معها إيجابيا، والنظر إلى كل ما كان يحيط بها من ظروف، ومحاولة فهم المقدمات التي أدت إلى حدوثها، والنظر في النتائج التي انتهت إليها.
في القرآن الكريم آيات تدعونا صراحة إلى دراسة سير الأولين والتأمل في قصصهم وأخذ العبرة منها. يقول الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَن فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾[آل عمران:133]. ويقول أيضا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:111] . ﴿...فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.. ﴾ [الأعراف:176].
وفي هذا المعنى يقول ابن خلدون معرفا للتاريخ «...فإن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال وتشد إليها الركائب والرحال، وهو في ظاهره لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول، وفى باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ».
إننا لا ننكر جهود الدارسين والمنقبين في التاريخ، لكن أعمالهم لم تؤدي دورها بالشكل المطلوب منها.
ومن الأسباب التي أراها تقف أمام صناعة الحضارة، وتشكل عقدا معنوية لأصحابها:
- تسليط الضوء على وجه وإغفال الوجوه الأخرى: فكثير من المؤرخين يفصِّلون في التاريخ السياسي والعسكري لأي حقبة دون أن يعطوا الجوانب الأخرى، كدراسة تلك الفترة اجتماعيا أو فكريا أو ثقافيا. فكأننا بذلك الزمن لم يعش فيه إلا حكاما يتصارعون على الكرسي، وكأن لم توجد دول إلا لتخلفها دولة أخرى.
- تقييم الماضي وإصدار الأحكام عنه: أي أننا في قراءتنا للأحداث نحكم عليها مباشرة بالخطأ أو غيره دون تمحيص وتمعن في الظروف المحيطة بتلك الأحداث.
- تقديس الماضي: عندما نقرأ التاريخ نتصوره شيئا مقدسا، نبجِّله ونحنُّ إليه. وكأنه يجب علينا الرجوع إليه في كل صغيرة وكبيرة؛ فالأصالة كل الأصالة في الزمن الذهبي الذي مضى. أما نحن فقد ولدنا في الزمن المتأخر، في الزمن الذي تدهور فيه كل شيء. والكلام عن الثابت والمتغير شيء آخر، فأقصد هنا المضي قدما دون المساومة في الثوابت.
- الفرار من الماضي: وبالمقابل هناك من هو مصاب بعقدة اتجاه تاريخه وماضيه، فهو يرى ضرورة الانسلاخ من كل ما له علاقة بالماضي بغية الوصول إلى غد أفضل. فلا أصل أبقى ولا مجد حقق. وأنى له أن يهرب من تاريخه وهو جزء منه، وهو في فراره يفر معه تاريخه. إن الدارس للتاريخ والمتمعن في أحداثه يستطيع أن يفسر الوقائع بموضوعية ويستخرج القوانين التي سارت وفقها تلك الوقائع، وبالتالي فإنه يستطيع أن يستشرف ما قد يحدث مستقبلا ويتنبأ به قبل حدوثه، وذلك بتطبيق قوانين التاريخ على معطيات اليوم.
فالواجب علينا إذن الاستفادة من التاريخ وأخذ العبر منه والوقوف على مواطن الضعف فيه للابتعاد عنها، واكتشاف مواقع القوة ومحاولة محاكاتها بما يمليه علينا واقعنا. حتى لا يكون تاريخنا عبأ ثقيلا على ظهورنا يعيق حركتنا وتقدمنا نحو بناء الحضارة والاستخلاف في الأرض.