إنّ المتفحّصَ الحصيفَ والمتمعّنَ الألمعيَّ لما وراء سطور السطور، والمـُـتَـتبّع المِجهَرِيّ لِدَبِيب رُوّاد وعظماء حضارتنا الإسلامية العملاقة عبر التّاريخ، والتي حفظت لنا هذا الدّين إلى يومنا هذا، يتبيّن له جلِيًّا _ والله أعلم _ وُجودُ جِيناتٍ جوهريّة وأسرارًا أودعها الله عزّ وجل في عهودهم الذهبية، فخفقتْ بذلك راياتُهم عبر القرون، وتربّعوا على ربْوة عاليةٍ من الإسلام معْلنين في مكبِّرات الأصوات لِلْعالمين: أُمَّتِي أُمَّتِي إنَّ الطريق إلى الجنَّة من هنا فاتَّبِعُونا فقط وَستَسودون العالَم حَتْمًا إن شاء الله تعالى، ونحن نسمعهم ونفقه ما يقولون ونرى راياتهم البيضاء أمامنا عالية خفَّاقة إلاَّ مَنْ أبَى (وذلك عَبْر مؤلَّفاتهم)، وهُنا تَجِدُنِي أطرح تساؤُلًا: أَلَا يجْدُر بِنَا – نحن جيل القرن الواحد والعشرين - أنْ نُسابق الزّمن ونسْتحِثَّ الخُطى لاكتشاف خَفايا هذه الأسرار السِّحرِيَة، مع السّعي الحثِيث لصناعة هذا النَّوع الفذِّ من الإنسان (ذكرًا وَأُنثى) ؟ وهذا ليعيش بين أظْهُرنا ويستنشق هواءنا ويعيش مع إنسان اليوم إشكالاته، لِأنَّ إنسان اليوم _ وا أَسَفاه _ لا يُؤمنُ إلاَّ بالملموس الـمَـرْئِيِّ، ومِن بين ذلك: الإنسان القائد الـمُبْدِع. والهدف الأوَّل والأخير من كلِّ هذا: صناعة جيل من الصحابة الكِرام الجُدُد (وهذا باعتبار ما سيكونون) بِصُحْبتِهم صلى الله عليه وسلّم في الجنَّة إن شاء الله تعالى، وبما أنَّنا كذلك نَعْلمُ عِلْم اليقين بل عَيْن اليقينِ وحقّ اليقين أنَّ سننه تعالى لا تُحابي أحدًا ولن تتغيّر أبدًا عبر الأزمان والأَوطان، وأَنَّه الحقُّ جلَّ في عُلاه ووعدُه الحقُّ قائلا: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىا لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنم بَعْدِ خَوْفِهِمُو أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا...) (النور: 55)، إذًا فما دام الحال كذلك، وخارِطة الطريق ثابِتة المعالِم، والـمُدْخلات بيِّنَةٌ والـمـُخْرجات مؤكَّدة، فلم يبق لدينا عذْرٌ أمام الله سبحانه وتعالى وأمام التَّاريخ إلاَّ أنْ نُشَمِّرعلى سَاعدِ الجِدِّ والإخلاصِ، لِنَكُون بِإِذْنه تعالى ومعَيّتِهِ قُوّة دفْعٍ جديدةٍ للانبعاث الحضاريِّ القادم، وَالذي بدَأْنا نَتَنَسَّمُ عَبَق أريجهِ الفِرْدَوْسِيِّ مِن بعيدٍ، وَنَلْمحُ بِدايةَ إِشْرَاقِ الأنْوارِ الرَّبَّانية للعِيد السّعيد، فاللهمَّ لَكَ الحمدُ أوَّلاّ وأخيرًا على هذا النّصر المبين، وإنّا لَندعوه ساجدين مخلِصِين، بِأَن نكون سببًا لتمكينِ هذا الدين في العالَمِين(وَمَا ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ)(إبراهيم: 20) [ ياسُبحان الله ... وَاعَجبًا إلهي من لطيفةٍ ربَّانية في هذه اللحظات بِالذّات، فَبعد كتابة الآية السالفة الذِّكْرِ رقم: (20) بِقَدَرٍ وَعَفويةٍ تامَّةٍ، اِسترعت انتباهي الآية التي قبلها مباشرةً قوله جلّ جلاله: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَّشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) ( إبراهيم: 19)، فلْنُلاحِظ سَوِيًّا بِأَنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ كاملةً قد أَتَت في نسقِ موضوعنا الذي نحن بصدَدِه، فيا خالق السّماوات والأرض بالحقِّ يَا الله لا تُذهبنا ولا تأتِ بِخلْقٍ جديدٍ، فأعِنْ كلّ مَن سَعى لتمكين دينكَ في أرضك، إنَّكَ على كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير يا نِعم الموْلى وَيا نِعمَ النَّصير ] .
بعد هذا الاستطراد بسببِ الرّسالة الرّبّانية الموَجَّهة إلينا أقولُ: عندما كان هؤلاء الروّاد في أصلاب آبائهم فقد حرِص أولياؤُهم أَشَدّ الحرص أوَّلا وقبل كلِّ شيء على اللقمة الحلال، والتّحرّي الشديد من أموال النّاس إلى حدّ الوسوسة -ونِعمةِ الوَسوسة-، لأنَّهم يفقهون جيِّدا بأنّ اللُّقمة الحلال سَتَنْعكِس أساسًا على الأبْناء( وَكَانَ أَبـُوهُمَا صَالِحًا) (الكهف: 82). كما رضع هؤلاء الرّوّاد المـُجدّدون رحيق (جيناتِ) العقيدة الإسلامية الصحيحة مع لِبَان أُمّهاتهم من الكتاب المقروء والمنظور، فتشرّبوها بل تضلّعوا منها حتّى الثّمالة، وبهذا غَدَت كلّ خلاياهم تتنفَّسُ عَبَق روح الجنّة للاستخلاف في الأرض، وتَفْعل فِعْلها في أجسامهم الطِّينِية، وتسيرُ بهِم تحْتَ كَشّافات (-projecteurs) النّور الخالد.
وبعد ذلك دأَبوا على النّهل من منابع العلوم المختلفة أنّى وجدوها، وبذلوا في ذلك قصارى جُهُودهم ( فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران: 146). وتَلا هذا الجهد والاحتراق؛ تخَصُّصٌ في علْمٍ واحدٍ فقط، فسَبَروا أغوارَهُ، وغاصوا في أعماقِ أعماقه، واستَخرجوا لآلئه ودُرَرَه بعد تَعَرُّضهم ـ أثناء خطِّ سيرهم ـ لِعَقباتٍ كأْداء تَعْتُورُهُ (أي: تَنْزِلُ بهم مرَّةً بعْد مرَّةٍ)؛ منْ قُطّاعٍ للطرق وتقلّبات لِلأحوال الكونية من أعاصير وفيضانات وبراكين وزلازل وضبابية وانفجاراتٍ عظيمةً بعيدة عنَّا في السماوات العُلى، وأحيانا تجتمع كلّ هذه الأهوال في وقت واحِدٍ فتجعل الوِلدان شِيبًا وَتدُكُّ الجبال دَكًّا دَكًّا، ولكن رَغْم كلّ هذا فهُمْ في يقين الحقِّ وثباتهِ، وإِنَّ صبرهم وجَلَدَهم قدْ تفَوَّقا على كلِّ صخرٍ وَفُولاذٍ حتَّى احتار الصّبر لصبرهم، فَوَقفت الأيَّام عاجِزةً أمام إصْرَارِهم الذي لا يعرف المساومةَ، لأجْل الوُصول إلى هدفهم الواضِح وُضوح الغَزالة (أي: الشَّمسُ عند ارتفاعِها) في النّهار، واعون قوْلهُ سبحانه وتعالى: ( أَمْ حَسِبْتُمُو أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142)، ورُوح نَفَسِهم في كلِّ هذه الأحوال: الثّقة التّامّة في الله عزّ وجل بِنصر المؤمنين، مع اتخاذ الأسباب المــُلائِمة لذلك وتَأَنُّقُهم في روْضات القرآن الكريم، فَمَن كان الله معه فماذا فَقَدْ؟، فَقَدَ وَفَقَطْ مَنَحهم الله جلّ جلاله « الحكمة بما فيها (...) استيعاب لمقاصد الشَّرع وسُننِ الكون، وحقائق المجتمع وطبائع النَّاس ومُتغيِّرات الحياة ...فقد انطلقوا من عالم "الأفكار" إلى عالم "الأفعال" عبر جُسور الحكمة، بكُلِّ ما آتاهم الله من مواهِب وطاقات...» ([1]).
كما أنَّ لكُلّ واحِدٍ من هؤلاء الطَّموحين قدوة عظيمة في ميدان عِلْمِه، فَهي مهوى فُؤاده وجِلْدة بين عينيه وأنفه، يقتبِسُ منها عُصارة التجارب التي حلبَتها من أشطر الزَّمن، فَتختصر له السنوات وتطوي بهِ المسافات بالنصائح والإرشادات والتَّوجيهات. فلا بُدَّ من شيخ يُريك شُخوصَه وَإلاَّ فنِصف العِلْم عندك ضائِعُ
وبعد كلِّ هذه المراحل نفَذَ أَمْرُ الله جل ّجلاله، وَطَفَحت على السَّطْح سُنَّةٌ منْ سُنَنِه وَنتيجةٌ لسبَبٍ - قدْ غابَ عنْ مُعظمِ المسلمين اليوم - أَلَا وهُوَ: الحِرص الشديد على إطعام الأبناء اللقمة الحلال ولذلك (كَانَ أَبـُوهُمَا صَالِحًا) والنَّتيجةُ مُتَمَثِّلَةٌ قوْله تعالى:( فَأَرَادَ رَبـُّكَ أَنْ يَّبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبـِّكَ) (الكهف: 82)، أجلْ هنا عندما يبلغ الإنسان أشُدّهُ؛ علمًا وتمكّنًا وأخلاقًا ...إلخ فَهُو (أَيْ الإنسان) يستخرِج ذلك الكنز، وطبعا هو رحمة من ربِّنا سبحانه وتعالى، والكنز - كما أراه هُنا والله أعلم - هوَ بداية مرحلة العطاء والإبداع، وَبِهَذا صنع هؤلاء المجدّدون للبشريّة جمعاء أطبّاء القلوب للنُّهوض بالفِعْل الطَّيِّب، ومهندسي الروح لِهدَفِ التَّمكين ، وَجهّزوا المدُنَ والقرى والمداشر بِمصَحّات قرآنية، تتوفّر فيها أدوية ربّانية لمختلِف الأمراض المستعصية، والتي ألقى أمامها الأطبّاء المؤمنون بالعلمِ فحسب مناشِفهم. وكُلُّ مُجَدِّدٍ منهم في هذه المرحلة قَدْ مُلِئَ إِيمانًا إلى مُشَاشِهِ (ما تحت العِظام)، وصارَ يُمثِّل عالَمًا من الصِّدْق والطُّهر والنُّور، وعِملاقًا في الخير يستسقي بهم القوم إذا قَحَطُوا.
ومنْ أبْرز شعاراتهم التي جسّدوها ميدانيًا، وأعلنوها تغريدةً صدَّاحة للوُجود وللأَجيالِ اللّاحقة لاقتِفاء الأثر في سيمفونية رائعة خالدة: وَحْدَة المسلمين شرطٌ أساسِيٌّ للتَّمكين وفُرْقتهُم كَمِينٌ مِنَ الأَعْدَاء وأيُّ كَمِين، مع السّعْي الحثيث إلى أُصول الجمع وكلِّيات الوِفاق([2]) بين جميعِ المذاهب الإسلامية دون إقصاء أيِّ أحدٍ منهم قولا وفِعلا، مادام الكلّ يُشِعُّ من نورِ مشكاة واحدة، مع عذر كلّ واحِدٍ منهما الآخر فيما اختلفا فيه، والاختلاف هنا رحمة وثراء للإسلام، مُلتزمين ومُتَأكِّدين ومُؤمنين حقًّا بِقوْلِ خالق العَوالِم والأكوان وعالِـمِ الإنس والجان: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46)، زِدْ على ذلك عدمُ غمطِ جهود السّلف الصَّالح في التوجيه والإرشاد والإصلاح.
بعد كلِّ ما رأينا، أليس هؤلاء العمالقة السَّامقون: حفنة من المجانين أو الرّماة أو الإبراهميون أو عظماء من جيل الصَّحابة؟ إخواني فَلْنطمئِن ولْنَثِق بالله سبحانه وتعالى ولنعمل بجدّ وإخلاص دون كللٍ أو مللٍ، ولنُسابِق الزَّمن فإنَّ الفجر الباسم قادم، وإنّي أراه قاب قوسَيْن أوْ أدنى، وإنّه لحَقٌّ مثلما أنّكم تنطقون، فَلنَخِرَّ لله عزّ وجلّ ساجدين متضرّعين بكلّ جارحة من جوارِحنا، وشِغَافُ قلوبِنا ملْآنةٌ باليقينِ مُتَـبَـتـِّلةٌ مُبْتهِلةٌ؛ أن يعجّل النصر للمسلمين ويفرّج كرب المكروبين أنّى كانوا... فالمُسارَعة المُسارَعة لِـيَضع كلٌّ واحدٍ منّا بصمته في هذا الانبعاث الحضاري للإسلام، قبل أن يُلْقِي على الدّنْيا تحيَّة الوداع، وَيَندم على سلاسل جبليَّة من الحسنات لم يَظْفَر بها عندما كان له بالإمكان ذلك، ولكن حينها لَاتَ ساعةَ مندمِ !!، لِأَنَّ هذا الخير العظيم سيحتاجهُ كلُّ واحدٍ مِنَّا بعد أن يُدْعى إلى رِحْلةِ الأبَدِ فَيغِيبَ ظِلُّهُ وَيُعَانِقَ مصيرَهُ، وَنَتاجُ هذا الخير العظيم؛ مساهمتُك الفِعلِيَّة _ أخي وأُختي _ في تنْشِئة هؤلاء الـمُجَدِّدينَ لأمرِ هذا الدّين، وبِالتَّالي فإِنَّ هؤلاء الـمُجَدِّدينَ - بِـإِذنِه تعالى - سَيُبدِعون وَيُنَشِّئُون مشاريع حضاريَّة لِتَحْيى بهم الأمَّة، فَتُوَلِّدُ هذه المشاريعُ حسناتٍ تِلْوَ الحسناتِ في معادلاتٍ رياضية تكاد تكونُ لا نِهائِيّة ( كَمَثَلِ حَبَّةٍ اَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَّشَآءُوَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261)، إذًا فقد انطلق القطار السَّريع مِن تِلْك المحَطَّة، فلْنَـركب نحن جميعًا في هذه المحَطَّة مع المهاجرين الأوائل من الرّعيل الأوّل المبارَكين، ولا نَتَرَدَّد لنَكون من الذين تَفَتَّحت لهم أبواب الجِنان لِتَسْتَقبِلَهم إن شاء الله تعالى ( مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ذَالِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَىا بِاللَّهِ عَلِيمًا ) (النّساء: 69 - 70) .
([1]) الأستاذ الدكتور فؤاد البنَّا، عبقرية فتح الله كولن (ط1؛ دار النيل للطباعة والنشر مدينة نصر القاهرة، جمهورية مصر، 1433ه/2012م) ص119.
([2]) الأستاذ الشيخ بالحاج محمّد بن بابا «أُصول الجمع وكلِّيات الوِفاق».