كنت في زيارة لأحد أقاربي كانت له في غرفة الاستقبال مكتبة متواضعة، وقفت أمامها أتتبع بعيني عناوينها، فاسترعى انتباهي عنوان مثير لكتاب صغير حجمه، كان موضوعه من أولى اهتماماتي و انشغالاتي كأب وهبه الله نعمة الأبناء، وحمّله مسؤولية رعايتهم وتربيتهم، إنه لحمل ثقيل تنوء به الجبال الرواسي لمن عرف للأمانة قدرها وللمسؤولية قيمتها، ندعو الله أن يوفقنا لأدائها ويعيننا على حملها.
عنوان هذا الكتاب هو "أبناؤنا جواهر و لكننا حدادون " وما إن قرأت هذا العنوان حتى ارتسم في ذهني رسم كاريكاتوري مثير؛ رجل مفتول العضلات وسخ الثياب رافع بيمناه مطرقة كبيرة يهوي بها على جوهرة جميلة برّاقة موضوعة على سندان أمامه، وبعد لحظات محت هذه الصورة البشعة خواطر تبادرت إلى ذهني. أبناؤنا كانوا فعلا جواهر، ولكن تعامَلنا مع هذه الجوهرة الجميلة بحرفة الحداد الوسخة كثيرة الصخب كريهة الرائحة، لجهلنا بمهنة الصائغ الدقيقة النقية جميلة المنظر.
فلذات أكبادنا ألم يكونوا جواهر في أعيننا يوم رُزقنا بهم بل كنا نراهم أجمل جوهرة بين أترابهم؛ نحميها و نحرسها من كل ما يمكن أن يؤذيها، نحملها بلطف، نضعها برفق، نمسحها بحنان، فماذا حل بنا؟
مرت الأيام مسرعة فعلا جوهرَتنا غبار وأوساخ فخبى وهجها وانطفأ بريقها بإهمالنا حينا وسوء تعهدنا لها أحيانا كثيرة، أو بتركها بين يدي من لا يعرف لجوهرتنا قدرها .
فانتبهنا بعد غفلة وقد ران على الجوهرة ما كان منا من إهمال وسوء تدبير، ولكن بدل أن نعود على أنفسنا فنلومها على ما كان منها من تقصير ونصلح ما أفسده سوء فعلنا، صببنا جام غضبنا على الجوهرة ونفخنا عليها من كير سخطنا وانهلنا عليها بمطرقة حمقنا ناسين أو متناسين أن ما آلت إليه جوهرتنا نتيجة لفداحة أخطائنا.
أبناؤنا مرآة ناصعة أمامنا تنعكس في تصرفاتهم بصدق ودون مجاملة كل سلوكياتنا الحسن منها والقبيح وتنطبع فيهم .
بهذا المعنى الواسع يُفهم قول الرسول الأعظم والمربي الأكرم (صلى الله عليه وسلّم) "يولد الولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " فلا يحصر المعنى في العقيدة فحسب - وإن كانت الأهم - ولكن يطلق على كل المكتسبات السلوكية .
مساكين أنتم يا أبناءنا ما أكثر ما عوقبتم بسبب أخطائنا.
مساكين أنتم يا أبناءنا ما أكثر ما ظلمتم بسبب تقصيرنا.
مساكين أنتم يا أبناءنا ما أكثر ما عاقبناكم على ما تعلمتموه منا.
مساكين أنتم يا أبناءنا كثيرا ما نلومكم على أشياء نفعلها أكثر منكم.
مساكين أنتم يا أبناءنا كم نضغط عليكم للقيام بأمور فشلنا نحن في تحقيقها.
مساكين أنتم يا أبناءنا كم مرة نحاول كسر المرآة لنرتاح من رؤية الخطأ المعشش فينا.
مساكين أنتم يا أبناءنا كم نحملكم أوزارنا ُثم إنكم بعد ذلك تحبوننا، تصفحون عنا.
قد يقول قائل إنما نقوم بكل هذه التصرفات والمواقف من فرط حبنا لهم وشديد حرصنا على مستقبلهم "و إن من الحب ما قتل"، وهل يشفع حبنا لهم مع هذه الأنماط التربوية الخاطئة لننشئ للمستقبل رجلا سويا خلقيا ومتوازنا نفسيا؟!.
لنثق في أبنائنا وقدراتهم حتى ننمي فيهم الثقة في أنفسهم ونزيل الخوف من قلوب أطفالنا تجاه مربيهم ونبدله بالاحترام والتقدير ونبتعد عن أسلوب التسلط والسيطرة قدر الإمكان، على ضوء هذا الفهم نفسر قول خادم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أنس بن مالك "ما نهرني رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) قطّ ولا قال لي لشيء فعلته لما فعلته و لا لشيء لم أفعله لما لم تفعله "وهل كان خادم الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) إلا غلاما صغيرا يخطئ ويصيب، أم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يتغاضى عن أخطاء خادمه ولا يوجهه ولا يعلمه؟، وحاشى أن يكون هذا ممن قال عن نفسه "إنما بعثت معلما"، وإنما كان يترصد إيجابيات خادمه فيشجعه عليها وينميها فيه، وإن أخطأ فلا ينهره ولا يؤنبه، وإنما يوجهه إلى الصواب دون إهانة ولا استنقاص .
ولا يُزال الخوف والرهبة من قلب الطفل إلا بالكف عن العقاب المادي والمعنوي ما أمكن، وتمكين الأبناء من ممارسة استقلاليتهم شيئا فشيئا مع توقع الخطإ بل الأخطاء، وتقبلها منهم لأنها الثمن الضروري الذي يجب دفعه لننشئ جيلا صالحا ومصلحا، يتحمل أعباء الحياة بثقة وثبات.