كلية المنار للدراسات الإنسانية

معالِم التجديد في التفسير: المدرسة الإصلاحيّة أنموذجًا،(الجزء الثّاني)

د.حمّو بن عيسى الشيهاني

السبت 02 فيفري 2013

57

0

معالِم التجديد في التفسير: المدرسة الإصلاحيّة أنموذجًا،(الجزء الثّاني)

 

 

بعد أن عرّفنا في الجزء الأول من هذا البحث المقصود بالتّجديد في تفسير القرآن والاتّجاهات

 

الحديثة في التفسير، ركّزنا الحديث على مدرسة المنار في التفسير ومعالم التجديد فيها،

 

سيكون الحديث في هذا الجزء عن تأثّر المدرسة الإصلاحية الجزائرية بهذا الاتّجاه في التّفسير

 

من خلال العالمين الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ إبراهيم بيّوض.

 

الاتجاه الإصلاحيّ في التفسير عند العلماء الجزائريين

 

 أشرقت أنوار مدرسة المنار على العالم الإسلاميّ، وكان للجزائر حظّ وافرٌ منها؛ حيث استضاء

 

بها رواد الحركة الإصلاحيّة في سبيل النهوض بالأمّة الجزائرية بالرجوع إلى هدي القرآن، ومن هؤلاء الأئمة الأعلام مفسّران من

 

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هما: الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ إبراهيم بيّوض([1])، فلم يكن غرض المفسرَين أن

 

يضيفا تفسيرًا جديدًا إلى المكتبة الإسلامية الزاخرة بالتفاسير، وإنما كانا يهدفان إلى تحقيق الغرض الهدائيّ الهادف إِلَى إعادة الشعب

 

المسلم إلى القرآن بعدما أُبعد عنه، وتزكية النفوس وتثقيف العقول والنهضة بالمجتمع ، فكان القرآن هو محور التربية والإرشاد في

 

مختلف مجالات الحياة، كما كان منهاج النبيّ (ص) مع أصحابه رضي الله عنهم، قال الشيخ عبد الحميد بن باديس:«إننا والحمد لله

 

نربي تلاميذنا على القرآن من أول يوم، ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم، وغايتنا التي ستتحقق أن يُكوِّن منهم القرآن رجالاً

 

كرجال سلفهم، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلِّق الأمةُ آمالها، وفي سبيل تكوينهم تلتقي جهودُها»([2]).

 

آمن الشيخ ابن باديس والشيخ بيّوض أنّه لا يصلح هذه الأمّة إلا بما صلح به أولُها، موظفَين النص القرآنيّ توظيفًا واقعيًّا، قائمًا على

 

إحكام الصلة بين هذا النص الأثريّ، والحياة الواقعيّة متبعين بذلك بعد الرسول (ص) منهج تفسير متميز، تمثل في الكيفية السليمة

 

للتعامل مع القرآن قراءةً وفهمًا، تقوم على أساس البعد التحليليّ للظواهر المرضية التي كانت تعاني منها الأمة في عصرهما،

 

والكشف عن علاج القرآن لها في ظلال التفسير، مثبتين بذلك أن هداية القرآن تستوعب حاجات الزمان والمكان المتجددة في مختلف

 

العصور([3]).

 

فسّر الشيخان القرآنَ الكريم في المسجد([4])، وكانت تحضر دروسَهما مختلِفُ طبقات المجتمع رجالا ونساء كبارًا وصغارًا، مثقَّفين

 

وعامّة، وقد اعتبر الشيخ أحمد حماني هذه الدروسَ العامّة من مزايا تفسير القرآن عند علماء الجزائر، حيث يقول في مناسبة حفل

 

ختم الشيخ بيّوض لتفسير القرآن الكريم: «...إن الذين ختموا القرآن في غير الجزائر قد ختموه تفسيرًا مسجَّلاً، وقد ختمه بعضُهم

 

دراسةً للخواص، وأمّا في الجزائر فإن القرآن ختم للمرّة الأولى كما ختم في الثانية أمام جميع الأمّة من الطلبة والأساتذة والعامة،

 

ودراسةُ القرآن وهدايةُ القرآن لم تكن خاصة بل إنها عامّة، فعلماء الجزائر من الراسخين يفهمون ولا يبخلون على العامة بما

 

يُعلِّمونَه الخاصّةَ؛ فهذا عالِمُ الجزائر الأوّل عبد الحميد بن باديس ختم القرآن دراسة لجميع الأمة في الجامع الأخضر، وهذا عالم

 

الجزائر الثاني من الراسخين يختم القرآنَ دراسةً لهداية الأمّة في جامع القرارة، فهذه نكتة وملاحظة يجب أن يلاحظها كلُّ من

 

يتكلم على هذه الأمة ويدرس عظمة شعبها، شعبِ الجزائر، فإن الهداية إذا أردنا أن نطلبها ونظفر بها حقًّا فإنما نجدها في هداية

 

القرآن»([5]).

 

 

طريقة الشيخ بيّوض في التفسير

 

أوّلاً:  تفسير القرآن بالقرآن

 

بما أنَّ القرآن الكريم تتوزّع فِيه مختلِف المواضيع، حيث يفصّل الله في موضعٍ ما أجمله في غيره، فإن منهج فهم قضاياه فهمًا منسجمًا

 

مع روح الدين ومقاصده هو طريقة تفسير القرآن بالقرآن.

 

يرى ابن كثير أنّ أحسن طرق التفسير وأصحّها هي "تفسير القرآن بالقرآن"([6])، ويصرّح الشيخ بيّوض بانتهاجه هذا المسلك

 

الأثريّ الأصيل، حيث يقول: «إِنَّ طريقتنا مع كلام الله تفسير القرآن بالقرآن»([7]) وكان يهدف من تتبّع هذا المسلك استجلاءَ

 

المعنى([8])، واستخراج الأسرار والحكم، حيث يقول: «ومن تأويلات القرآن وتفسيراته ما كان يؤخذ بتقابل الآيات فِي موضوع واحدٍ،

 

فتظهر المعاني وتظهر الحكم والأسرار... وما فسّر القرآن مثل القرآن»([9]).

 

إنَّ السعي لاستكمال الصورة للقضية المراد تحليلُها مطلبٌ منهجيّ، ذَلِكَ لأَنَّ أجزاءها قد تكون متفرقةً فِي بعض سور القرآن: «وإذا

 

جُمع البعضُ إِلَى البعض تكتمل الصورة الحقيقية»([10]) وقد مثّل الشيخ بيّوض لذلك بالعِجل الذي قدمه سيدنا إبراهيم عليه السلام

 

لضَيفه حيث وصفته سورة الذاريات أنه عجلٌ سمين ﴿فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ (الذاريات: 26) ودلّت سورة هود عَلَى طريقة طبخه ﴿فَمَا لَبِثَ

 

أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾(هود: 69)([11]). وأكّد ضرورةَ اتباع هذا المنهج بقوله: «فلا نطلب تفسيرًا للكلمات فِي غير القرآن، وهكذا

 

مواضيع القرآن لا يُكتفَى فيها بآيةٍ واحدةٍ ترد فِي سورة معيّنةٍ، وإنما لا بدّ من جمع كلّ ما ورد فِي القرآن حتى يُبيّن بعضه بعضًا،

 

ويفسر بعضه بعضًا»([12]).

 

فقد كان الشيخ بيّوض يدعو إِلَى الجمع بين الآيات والمقارنة بينها قصد تجلية المعنى واكتمال الصورة الواضحة للموضوع المعالَج،

 

ويحذّر من نتائج الاقتصار فِي الاستدلال عَلَى آية واحدة والتغاضي عن غيرها، لكون هذا المنهج مُفضيًا إلى الوقوع فِي الخطأ([13]

 

فلا يتحقّق فهم البيان الإلهيّ على وجه صحيح إلا فِي ضوء وحدته وردّ بعضه إلى بعض([14]). 

 

وكان يحرصُ عَلَى الجمع بين الآيات المتعارضة فِي الظاهر، ومن ذَلِكَ قوله فِي قضية إثبات تساؤل العباد ونفيه يوم القيامة: «وأريد

 

أن أبيّن من جهة أخرى أنه لا تناقض بين قوله فِي سورة "المؤمنون": ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلآَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾

 

(المؤمنون: 101) وقوله هنا: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىا بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ (الصافات: 27) تُرى لماذا نفى التساؤل فِي آية وأثبته فِي

 

آية؟!» ([15])، «ليس هَذَا تناقضًا بين الآيات والسوَر المختلفة، وإنما هي مقامات متعددة ومراصد متنوعة تقع فِي يوم القيامة»

 

([16]).

 

أكّد الشيخ بيّوض فِي أكثر من موضع على ضرورة تفسير القرآن بالقرآن، كما أولى منهج الجمع بين الآيات فِي الموضوع الواحد

 

(التفسير الموضوعيّ) عناية كبرى واشترط «على من أراد أن يفهم موضوعًا من المواضيع أن يجمع كلَّ الآيات الواردة فِي نفس

 

الموضوع حتى تجتمع له عناصر الفهم»([17]).

 

للتفسير الموضوعي قسمٌ آخرُ يعنى بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، يرتكز على اكتشاف المحور الأساسيّ للسورة، وفي معرفته

 

عَونٌ على استجلاء معاني آياتها، وعلى الترجيح الصحيح عند احتمال الآية أكثر من معنىً، وقد أشار الشيخ بيّوض إلى هذه الطريقة

 

في قوله: «من المعلوم أَنَّ كُلَّ سورة من سور القرآن الكريم ـ طويلة كانت أو متوسِّطة أو قصيرة ـ إِلاَّ وتدور على موضوع يشكِّل

 

وحدة السورة، حَتَّى لكأنَّ السورة كلٌّ لا يتجزَّأ، لها وحدة تجمعها بين مختلف آياتها، من أوَّلها إلى آخرها»([18]).

 

ثمرات توظيف منهج التفسير الموضوعيّ: إنَّ الالتزام بمنهج التفسير الموضوعيّ فِي القرآن الكريم له أبعادٌ منها:

 

أ- فهم القرآن بمنهج متناسق لا تناقض فيه ولا تضارب.

 

ب- ردُّ ما خالف مقاصدَ القرآن.

 

 

ثانيًا: تفسير القرآن بالسنة

 

أنزل الله كتابه المبين على نبيّه العربيّ المبين، فكلام الله مبين «وما ترك الله شيئا إِلاَّ وبيَّنه، إِمَّا تصريحا أو تلويحا، إِمَّا في كلامه

 

في القرآن وَإِمَّا فيما أوحاه لنبيئه (ص)»([19]) وأمره بتبيينه للناس، إذ قال له: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِـتُـبَـيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ

 

وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44).

 

«في القرآن إجمال كبير وبيانه في السنَّة»([20])، ذلك أن الرسول (ص) لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:04)

 

فسنّته الصحيحة جزء من الوحي، «فمردُّ الأمور كُلِّها إلى الله، وبهذا تدخلُ السُّـنَّة في الكتاب»([21]). فكان الشيخ بيّوض يفسّر

 

القرآن الكريم بالحديث النبويّ باعتباره البيان النظريّ، كما كان يفسّره بالسيرة النبوية باعتبارها تطبيقًا عمليًّا للقرآن.

 

 

ثالثًا: الاجتهادات الخاصّة

 

لم يجمد الشيخ بيّوض على ظواهر نصوص الكتاب والسنة الشريفة؛ نظرًا لكون النصوص محدودة والنوازل متجدّدة، فاجتهد فِي إعمال

 

العقل قصد فهم مراد البيان الإلهيّ، منطلقًا من نصوص الوحيين، موظِّـفًا أحداث السيرة النبوية، ويرجع إلى أقوال المفسرين

 

فيستوعبها وينقدها ثمّ يضيف إليها اجتهاداته، فيتميّز تفسيره بالتجديد والاستقلالية ([22])، وكثيرا ما يفتح الله عليه- وقت الدرس-

 

من أوجه الفهم والبيان لم تخطرْ بباله من قبلُ، ويصرّح الشيخ بأنّ هذه النكتة أو الملاحظة هي "بنت اللحظة"([23]).

 

 

 

رابعا: تعامل الشّيخ بيّوض مع التّراث

 

تعدّدت مراجع الشيخ بيّوض فِي التفسير وتنوعت، فقد كان يجمع بين القديم والحديث، إِلاَّ أنّ مصدره الأساس هو كتاب الله تعالى،

 

فكان يحذّر أن يشكّل التراثُ البشريُّ حجابًا بين العبد وبين فهم مراد الله من كتابه ففِي درس التفسير-مثلاً- كان يرجع إِلَى طائفة من

 

المفسرين، منهم الشيخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا، والرازي والألوسيّ والقرطبيّ وسيد قطب، حيث يجد في هذه التفاسير مادته

 

العلمية التي تخدم هدفه الإصلاحيّ، خاصة "تفسير المنار" و "الظلال" لعنايتهما بالإصلاح الاجتماعيّ، لذلك كان رجوعه إلى هذه

 

المصادر أكثر من تفاسير الطبري وابن كثير والكشاف([24]). «وكان الشيخ يهضم مادة هذه التفاسير ويعيد صياغتها فِي نفسه ثُمَّ

 

يضيف إليها ما يتبيّن له من فهم، ويلقي بكلّ ذَلكَ تفسيرًا نقيًّا مصفًّى، يلمع بالاستقلالية الفكرية، ولا يظهر عليه التأثر بالغير»([25]).

 

 

مدى تأثّر الشيخ بيّوض في تفسيره بمدرسة المنار:

 

تعدّدت مراجع الشيخ بيّوض في التفسير إلا أنَّ تأثيره - من حيث المنهج والهدف- كان بتفسير المنار، حيث يقول عن مقصده من درس

 

التفسير: «إنّ مقصدي من هذه الدروس وغيرها هو مقصد الشيخ محمد عبده، أن أخلق عقولاً تتذوّق بلاغة القرآن، ونفوسًا فيها طهر

 

القرآن، وتلاميذ مصلحين يكونون جند القرآن»([26]).

 

رغم كثرة مصادر الشيخ بيّوض فإنّ حظّه من رواية نصوصها كان قليلاً؛ ذلك أَنَّه كان يستوعب مادة درسه ثم يلقيه بصياغته الخاصة

 

مضيفًا إليها اجتهاداته التي  تبرز من خلال ما يفتح الله عليه أثناء الدرس، ومن خلال ما ذكر أنه لم يجده فِي التفاسير التي اطّلع

 

عليها، ومِن نقده مَن سبقه من المفسرين.

 

 

نقد الروايات وأقوال المفسّرين

 

 

تعامل الشيخ بيّوض مع التراث بإيجابية، فلم يلغه كليةً ويحرم نفسه من تجربة بَشريّة ومعرفة تراكميّة منذ فجر الإسلام، ولم يخلع

 

عليه هالةً من القداسة فيحجبه عن تبيّن الحقّ والصدع به، بل اعتبره ثمرة جهد بشريّ يصيب ويخطئ، فأخضعه للنقد البنّاء، مما يدلّ

 

على أن الشيخ بيّوض«يتسم بعقلية متحرّرة، لا ترى الحقّ المطلق مع أحد، وتخالف كلّ ما تراه خطأ فِي التفسير، مهما كان قائله،

 

مادام الحَكَم هو كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام»([27])، فكان الشيخ ينقد أقوال العلماء فيأخذ ما استند إلى الدليل ويشير إلى

 

المرجوح والمردود.

 

 

موقفه من الإسرائيليات

 

 

إنَّ أغلب الروايات المفصِّلة لمجمل القصص القرآنيّ مصدرها هو الإسرائيليات،  وليست شهرتها وكثرة تداولها عَلَى الألسن دليلاً

 

عَلَى صحّتها، وكان الشيخ بيّوض يحذّر من خطورة الإسرائيليات عَلَى التراث الإسلاميّ وعلى التفسير بوجه خاصٍّ مجتهدًا عَلَى

 

تنقية تفسيره منها، حيث يقول: «والذي يقدَّم لكم فِي دروسنا هَذِهِ هي خلاصة حقائق، مجموعة تفاسير مختلفة، بعد نبذ الأقوال الزائفة

 

المعتمدة عَلَى الإسرائيليات»([28]).

 

مِن الروايات الباطلة التي تعجّب الشيخ بيّوض من ورودها فِي بعض التفاسير من غير نقدٍ وردّ "قصة الغرانيق"([29])، وتتمثّل

 

خطورة تصديقها فِي انهدام الوحي من أصله، فلا تبقى ثقةٌ في هذه الآية ولا في غيرها([30]).

 

 

سمات المنهج الإصلاحي في التفسير عند علماء الجزائر

 

اِستخلصت الدكتورة نادية وزناجي من دراستها المتعلقة بمنهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيّوض

 

مجموعة نتائج يصلح أن تنسحب على الاتجاه الإصلاحيّ في التفسير بصفة عامة نظرًا لاتّفاق هذين النموذجين ومنهجَ رواد مدرسة

 

المنار من حيث المنطلق والمصبّ، ومن هذه النتائج انتقينا الآتي:

 

01- اهتمام المفسرَيْن الواضح بالتفسير بالمأثور، والاستعانة به كثيرًا في تفسيريهما لكتاب الله، خاصة فيما يتعلّق بتفسير القرآن

 

بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة مما أكسب كليهما قوة عظيمة يستمدانها من أصالة هذين المصدرين التشريعيين وقدسيتهما في

 

نفوس السامعين والمتلقين.

 

02- إنّه على الرغم من التزام المفسرين هذا المصدر النقلي، إلا أنهما لم يلغيا عقليهما أثناء الأخذ بهذا المأثور من الكلام، أين

 

برزت بوضوح نزعتهما الاستقلالية في العديد من القضايا خاصة المعاصرة منها، فكان تفسيرهما مزيجًا بين النقل والعقل، وقد

 

وُفّقا كثيرًا في الجمع بينهما.

 

03- منهجهما في التعامل مع آراء غيرهما من العلماء في علم التفسير أو غيره من العلوم كان منهجًا علميا حكيمًا متأدبًا، فما

 

كانا يوافقان فيه غيرهما كانا يقرّانه، وما كانا يخالفان فيه غيرهما كانا ينقدانه بأسلوب عفيف متأدب مع إعطاء البديل بأدلّة نقليّة

 

أحيانا وعقليّة أخرى، مما يبرّر سمة الاستقلالية في الآراء والموقف عندهما.

 

04- خلوُّ كلام الشيخ بيّوض من التعصب في التفسير، عند تطرقه لشتى المسائل على اختلافها، وهذا ما يظهر جليًّا لكلّ قارئٍ

 

لتفسيره اليوم، حتى يخيل له أنه لا يقرأ تفسيرًا لمفسّر من المذهب الإباضيّ، وهذه سمة تعدّ حقًّا أروع ما زاد التفسير تقديرًا، بل

 

مما قد يعطيه مساحة من الانتشار.

 

05- إنّ هذين  التفسيرين قدّما للأجيال فِعلا منهجًا واقعيًّا سليمًا في التعامل مع القرآن، يتمكنون إن ساروا عليه بمشيئة الله أن

 

يعيدوا له فاعليّته في أوساط المجتمع، فتتحقق بذلك فيهم الحكمة من تنزيله، وهي الهداية إلى ما فيه الخير والفلاح في الدارين،

 

وبذلك فإن في شخصهما الموقر خير قدوة للمعلمين والأساتذة ممن يدرسون التربية الإسلامية ولمدرسي القرآن الكريم في المساجد

 

لأن يتبعوا هذا المنهج الواقعيّ في التعامل مع القرآن، إذ لا عبرة بقراءته وحفظه دون تطبيقه في الميدان الواقعيّ([31]).

 

 

الخاتمة:

 

القرآن الكريم رسالة الله الخالدة، تتضمّن منهج السعادة في الدارين؛ فهو ليس كتابَ تبرّك فحسب بل هو كتاب تحرّك، والتحرّكُ

 

بالقرآن هو ثمرةُ الفهم الصحيح، وقد حظي بما لم يُحظَ به أيُّ كتاب من العناية الفائقة دراسة وتفسيرًا... وقد تعدّدت مناهجُ التفسير

 

وتجدّدت، اعتبارًا لاختلاف البِيئات وتفاوت حال المخاطَبين من جهة، ونظرًا لاختلاف ثقافات المفسرين ومقاصدهم من جهة أخرى،

 

وبعد هذا العرض الموجز نخلُص إلى أنَّ أهمَّ معالم التجديد عند مفسّري الاتجاه الإصلاحيّ تتمثّل في الآتي:

 

01- ضرورة  تحديد المعنى الصحيح للتجديد في التفسير قصدَ ضبط اتّجاهه وتصحيح مساره.

 

02- من الشروط الواجب توافرها في المجدد:

 

        أ- الأهلية اللازمة عنده لخوض غمار هذا البحر الخضمّ.

 

       ب- الاستيعاب العميق لمناهج الأوائل ومقاصدهم في التفسير؛ فليس معنى التجديد تبديد القديم .

 

03- التأكيد على التزام المفسر إبرازَ مقاصد القرآن، وعلى رأسها الهداية.

 

04- تنزيل التفسير وأحكام القرآن على واقع الأمة لعلاج قضاياها ومشكلاتها.

 

05- النظر إلى القرآن الكريم نظرةً بعيدة عن التأثر بمذهب من المذاهب.

 

06- الوقوف من الروايات الإسرائيلية موقف الناقد البصير.

 

07- عدم الاغترار بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التي كان لها أثر سيءٌ في تفسير القرآن الكريم.

 

08- دخول عالَم التفسير بغير مقرّرات مسبقة.

 

09- القرآن مصدر الهداية؛ فهو الحَكمُ وميزانُ تقييم الروايات والأقوال.

 

10- إبعاد التفسير عن التأثّر باصطلاحات العلوم والفنون، التي زُجّ بها في التفسير بدون أن يكون في حاجة إليها، فشكّلت حاجزًا

 

دون المقصد الهدائيّ، فإن اقتضى الأمرُ توظيفَها فلتكن مساعدةً لحصول هذا المقصد الأسنى ووسيلة لتحصيله.

 

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ



([1])- أنجزت رسائل وأطروحات جامعيّة مبرزة جهود العالِمَين العامِلَين في حقلي التفسير والإصلاح، منها: وزناجي نادية، "منهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيّوض"، بحث مقدّم لنيل درجة الماجستير، المعهد الوطني العالي للعلوم الإسلامية بباتنة، السنة الجامعية: 1998-1999؛ سكحال نور الدين، "منهج الإصلاح ومجالاته بين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بيّوض"، رسالة مقدّمة لنيل درجة دكتوراه دولة، جامعة الأمير عبد القادر/ قسنطينة-الجزائر، السنة الجامعية: 1428هـ /2007م-1429هـ/2008م.

([2])- حسن عبد الرحمن سلوادي: عبد الحميد بن باديس مفسرًا: 133، نقلاً عن: تركي رابح: الشيخ عبد الحميد بن باديس فلسفته وجهوده في التربية    والتعليم:228.

([3])- نادية وزناجي: منهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيّوض، ص:701.

([4])- طبع ما أمكن طباعته من التفسيرين: فسمّي تفسير الشيخ ابن باديس "في مجالس التذكير من كلام العليم الخبير" وسمّي تفسير الشيخ بيّوض "في رحاب القرآن"، الذي شُرع في طباعته ابتداءً من سورة الإسراء، الآية: 70.

([5])- كلمة الشيخ أحمد حماني في مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم "في رحاب القرآن" إعداد الدكتور محمد صالح ناصر، نشر جمعية التراث، ص: 31.

([6])- ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، 1401هـ: 01/04.

([7])- إبراهيم بيّوض: في رحاب القرآن، سورة الشورى:17/ 205.

([8])- في رحاب القرآن، سورة الشورى:17/ 249.

([9])- في رحاب القرآن، سورة لقمان: 11/182.

([10])- في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/365.

([11])- في رحاب القرآن، سورة العنكبوت: 9/141.

([12])- في رحاب القرآن، سورة صَ: 15/225.

([13])- في رحاب القرآن، سورة يس: 14/39.

([14])- عبد المجيد النجار: فقه التدين فهما وتنزيلاً، سلسلة كتاب الأمة، ط1، مطابع الأخبار، مصر، 1410هـ/1989م: 49.

([15])- في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/346.

([16])- في رحاب القرآن، سورة فصلت: 16/564.

([17])- في رحاب القرآن، سورة القصص:8/344.

([18]) في رحاب القرآن: سورة الشورى:17/352.

([19]) في رحاب القرآن، سورة الشورى:17/70.

([20]) في رحاب القرآن، سورة الشورى:17/67.

([21]) في رحاب القرآن سورة الدخان: 18/15.

([22]) مسعود فلوسي: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض وتفسيره "فِي رحاب القرآن"، الملتقى الأول لفكر الشيخ بيّوض، ص: 291.

([23]) النماذج على "بنت اللحظة" لا تكاد تحصى، منها: فِي رحاب القرآن، سورة الكهف: 2/276؛ مريم: 3/13؛ طه: 4/09؛ وقد أفرد القائمون على طباعة تفسير الشيخ بيّوض كلّ جزء منه بفهرس خاصّ بـ "بنت اللحظة".

([24]) محمد صالح ناصر: فِي رحاب القرآن (المهرجان والتأبين)، لقاء الشيخ بيّوض مع الإذاعة والتلفزيون الجزائرية وبعض الأساتذة بمناسبة مهرجان ختم التفسير: 75.

([25]) مسعود فلوسي: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيّوض وتفسيره "فِي رحاب القرآن"، أعمال الملتقى الأول لفكر الشيخ بيّوض:291.

([26]) محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح في الجزائر: 2/[30.

([27]) محمد باباعمي: التجديد فِي فهم القرآن الكريم عند الإمام الشيخ بيّوض من خلال تفسيره، مجلة الحياة، عدد 1، صفحة:66.

([28]) في رحاب القرآن، سورة الصافات: 14/463.

([29]) في رحاب القرآن، سورة الحج: 4/513.

([30]) في رحاب القرآن، سورة الحج: 4/524.

([31])- نادية وزناجي: منهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيّوض، ص:705.

أضف تعليقا