كلية المنار للدراسات الإنسانية

معالِم التجديد في التفسير: المدرسة الإصلاحيّة أنموذجًا، (الجزء الأوّل)

د.حمّو بن عيسى الشيهاني

الأحد 02 فيفري 2013

50

0

معالِم التجديد في التفسير: المدرسة الإصلاحيّة أنموذجًا، (الجزء الأوّل)

 

 

أسبغ الله على البشريّة نعمَه ظاهرةً وباطنة، وأجلُّها نعمة الهداية إلى الإيمان؛ إذْ أرسل رسلا

 

تترى وأنزل كتبًا فيها هدًى ونور... ختَمها بالقرآن الكريم الرسالة الخالدة، وميّزه بجعله الكتابَ

 

الوحيد الذي يتضمّن وحيه الصافيَ وكلامه المعصوم المحفوظ من التحريف إلى يوم الدين.

 

لم يُحظَ أيُّ كتاب عبرَ التاريخ بما حظي به القرآن الكريم من العناية الفائقة تلاوةً وحفظًا

 

وتفسيرًا... وكان الرسول (ص) أوّل مفسّر للقرآن الكريم، امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ

 

الذِّكْرَ لِـتُـبَـيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:44) فقد كان يتولَّى مَهمّة توضيح ما

 

يحتاج صحابته -رضوان الله عليهم- إلى بيان، ومنذ ذلك العهدِ المجيد لم يخلُ أيُّ جِيلٍ من علماءَ وهبُوا حياتهم لخدمة كتاب الله، فليس

 

مبالِغًا مَن قال: "إنّ التفاسير في الدنيا بلا عدد!..."، وقد تعدّدت مناهجُ التفسير وأطوارُ مسيرته التاريخيّة من مرحلة التأسيس إلى

 

التأصيل في عهد شيخ المفسرين ابن جرير الطبريّ، صاحبِ المنهج (الجامعِ) القائمِ على الأسس الثلاثة: اللغةِ والأثر والاستنباط،

 

وانتقل التفسيرُ بعد الطبريّ إلى طورِ التفريع حيث صار المفسرون يتفرّعون ويتوسّعون في المسائل التي مهروا فيها والعلوم التي

 

تخصّصوا فيها، وانتقلوا بالتفسير من المنهج )الجامع) إلى المنهج (الغالب) حيث يلاحَظ أنَّ كلَّ مفسِّر يكاد يقتصر تفسيرُه على الفنِّ

 

الذي برع فيه؛ فيصبح مجال تخصّصه هو الغالب على التفسير.

 

اِستمرّ هذا الطور من التفسير عشرة قرونٍ إلى أن جاء العصر الحديث، القرنُ الرابعَ عشرَ الهجريّ، حيث عرفت المسيرة التاريخيّة

 

للتفسير مستجدّاتٍ أسفرت عن انبعاثه من جديد على يد رواد مدرسة المنار، كما برزت عدّة مناهج معاصرة للتفسير، وقراءات جديدة

 

للقرآن الكريم، فأطلق على هذه المرحلة طور (التجديد)، وسترتكز مداخلتنا على إبراز معالم التجديد عند المدرسة الإصلاحيّة للتفسير.

 

بناءً على كون القرآن الكريم كتابَ تحرُّك لا مجرَّد تبرُّك، فهو كتاب هداية ومنهج حياة الإنسان؛ هذه الحياةِ التي تتعدّد إشكالاتُها وتتزايد

 

تحدّياتُها، وهذا الإنسان الذي تتفاوت مداركه وتختلف بيئاتُه وحالاتُه، وهو المقصود بفهم مراد الله من كلامه واتّباع هديه... يُطرح

 

الإشكال الآتي: لماذا لم يَعُد للقرآن تأثيرُه القويّ في نفوس المسلمين وسلوكهم الفرديّ والجماعيّ، كما كان في عهد الرعيل الأوّل من

 

صدر هذه الأمّة المجيد؟

 

لاشكّ أن الخلل ليس في القرآن الكريم الذي ميّزه الله بطبيعته الهدائية وأثبت له استمرارية أحكامه، ولا في طبيعة الإنسان من حيثُ

 

هو إنسان، ولا عيبَ في هذه القضية-ولا في غيرها- على الزمان، بل الخلل يكمن في طريقة تعامل الإنسان مع القرآن، وقد كان الشيخ

 

عبد الحميد بن باديس رائد المدرسة الإصلاحيّة في الجزائر يعتبر من الهَجْر للقرآن طريقةَ تدريس مادة التفسير في جامع الزيتونة

 

آنذاك، ويرى «أنّ القرآن الذي كَوَّن رجال السلف لا يكثر عليه أن يُكَوِّن رجالاً في الخلَف، لو أُحسن فهمه وتدبّره، وحملت الأنفس على

 

منهاجه».

 

اِقتنع رواد الحركة الإصلاحيّة بفرضيّة تجديد كيان الأمّة، وأيقنوا بأن لا سبيل إلى شيء من ذلك بغير تجديد فهْم الأمّة للقرآن، إلاَّ أنّ

 

التجديد في التفسير بقدر ما يؤكَّد على ضرورته يحذَّرُ من خطورته في حال تفلّته من قواعده وضوابطه!... حيث صار التجديد متكأ يستند

 

إليه الكثيرون ممّن لا خلاق لهم ولا علم، ولذا فهو من أكثر الموضوعات التي تحتاج إلى ضوابط يستفيد منها الصادقون الذين يرومون

 

تيسير أسباب الهداية للناس وتقريب العلوم لهم بروح عصرية تجديديّة، وتمنع المتسوِّرين على العلوم من أذناب العلمانيين وغيرهم

 

من الاجتراء على القرآن وتفسيره.

 

فما مفهوم التجديد المقصود في التفسير؟

 

- ما هي أغراضه؟ وما علاقتها بالغاية من نزول القرآن؟

 

- ما هي ضوابطه؟ وما الشروط اللازم توافرها في المجدّد؟

 

- ما هو نصيبُ الاتّجاه الإصلاحيّ من التأصيل والواقعيّة والنظرة المقاصديّة؟

 

- ما موقف أصحاب هذه المدرسة مع التراث الإسلاميّ؟ التقديس أم الإلغاء أم النقد البنّاء؟.

 

 

تعريف التجديد:

 

التجديد: من الجِدّة، والكلمة تدور على إبراز ما لم يكن بارزاً أو إنشاء ما لم يكن منشأً أو من الإيجابية في العمل والاستمرار فيه.

 

 أما بخصوص تفسير القرآن الكريم فحقيقة التجديد في شأنه هي: " استلهام النص القرآني لإدراك كل معطياته التي ترسم من خلال

 

القرآن الكريم المثلَ العليا للمسلم في حياته الفردية والجماعية، ومِن ثَمَّ النهوض بالمجتمع المسلم والاستجابة لمتطلباته في الحياة

 

اليومية"([1]). ممّا يستلزم من المفسر الاجتهاد في الكشف عن وفاء القرآن الكريم بحاجة البشرية وفاءً لا يعوزها التماس الهداية

 

في غير كتاب الله وشرعه الحكيم.

 

التجديد في التفسير لا يعني الإتيانَ بتفسيرٍ لم يُسبق إليه وإلغـاءَ كلّ ما ورد في التفاسير السابقة وإنما هو مواكبة المفسر لقضايا

 

عصره، وإسهامُه في إصلاح أوضاع المجتمع الفاسدة وإظهارُ المقاصد القرآنية والقيم العليا التي ترتقي بأخلاق الناس وتهذب

 

سلوكهم، أي أن التجديد هو تجديد الفهم لمعاني ألفاظ الكتاب العزيز، ويقصد بتجديد الفهم إرجاع المعنى الذي استفيد من النصّ - وهو

 

غير صواب- إلى وجهه الصواب، حتى كأنّه كما كان أولَ مرة جديدا لم يطرأ عليه تغيير«([2]).

 

حدّد الدكتور صلاح عبد الفتّاح الخالديُّ معنى التجديد في قوله: "ونعني بالتجديد في التفسير: التجديدَ الصحيح السليمَ، المنضبطَ

 

بالضوابط العلميّة، الملتزمَ بالأسس المنهجيّةِ، التجديدَ القائم على الإبداع والتحسين والجِدَّة، والاستفادةِ من العلوم والمعارف

 

والثقافات المعاصرة، وتوسيعِ أبعاد معاني الآيات القرآنية، وإحسانِ تنزيلها على الواقع الذي تعيشُه الأمّةُ، والعملِ على حلّ مشكلاتِ

 

الأمّة على هدي حقائق القرآن الكريم.

 

ولا نعني بالتجديد الخروجَ على القواعد والضوابط والأسس العلميّة المنهجيّة، والانفلاتَ والفوضى، والقولَ في القرآن بدون علم،

 

وتحريفَ معاني الآيات ودلالاتها، لتوافقَ أهواءَ هؤلاء، وتتّفقَ مع مقرّرات الغربيّين أو الشرقيّين، المخالفةِ لكتاب الله"([3]).

 

إن كان القرآن قد سلم من تغيير ألفاظه - كما حُرّفت التوراة والإنجيلُ- فإنّه لم يسلم من تأويلات المغرضين الذين يكيدون للإسلام

 

ووظفوا في سبيل ذلك ما استطاعوا من الوسائل؛ فلم يتورّعوا عن تأويل القرآن الكريم تأويلا منافيًا لمقاصده الهدائية!! وقد عدّ الدكتور

 

محمد حسين الذهبيُّ هذه التأويلاتِ المغرضةَ لونًا من ألوان التفسير في عصرنا الحاضر، سمّاه "اللون الإلحاديّ للتفسير" وممّا قال

 

عنه: «مُني الإسلام من زمن بعيد بأناس يكيدون له، ويعملون على هدمه بكلّ ما يستطيعون من وسائل الكيد وطرق الهدم، وكان من

 

أهمّ الأبواب التي طرقوها ليصلوا منها إلى نواياهم السيئة: تأويلُهم للقرآن الكريم على وجوهٍ غير صحيحة، تتنافي مع ما في القرآن

 

من هداية، وتُناقِض ما هو عليه من محجّةٍ بيضاءَ، وتهدف إلى ما سوّلته نفوسهم من نحلٍ خاسرة وأهواء...»([4]).

 

نظرًا لهذه الاِنحرافات الخطيرة في مجال التجديد التي تطالُ كلامَ ربّ العالمين، أقدسَ شيء عند المسلمين، حيث تسعى جهودُ الكائدين

 

لإطفاء نور الله بذريعة التجديد في المنهج، فإنّه يتعيّن على العلماء والباحثين وضعُ ضوابطَ تصون مسار تجديد تفسير القرآن الكريم

 

وتؤمّنُ سبيل تبليغ رسالته الهدائية.

 

 

دور علم أصول التفسير في ضبط مسار التجديد

 

    إنَّ التجديد في التفسير ضرورة، إلاَّ أنّه بحاجة ماسّة إلى آليات وقائية تصونه ممّا قد تعتريه من خطورة انحرافه عن مساره

 

الصحيح؛ ولعلَّ أسلمَها بعثُ علم أصول التفسير وتفعيل وظيفته، فإن ذلك يكفينا همّ العبث بالنصوص الشرعية, ولَيِّ أعناقِها، كما يضبط

 

لنا عمليةَ الفهم عن الله تعالى, واستنباطَ الأحكام الشرعية من مظانّها؛ بل يكون قانونا محكما فيما يسمّى بمقاصد الشريعة، ذلك أن

 

القصد يفهم من اللفظ، ومن النّص الشرعيّ، فيجيبنا علمُ أصول التفسير عن السؤال العلمي: كيف دلّك هذا اللفظُ أو هذا النصُّ، على

 

هذا المعنى أو هذا الحُكم؟، وقِسْ على ذلك من القضايا والمستجدات الطارئة على الفكر الإسلاميِّ اليوم، كمسألة السنن التاريخية

 

والاجتماعية في القرآن الكريم، وقضايا التشريع الجنائي، والنوازل الفقهية في الطبِّ والاقتصاد وغيرِ ذلك.

 

 

الاتجاهات الحديثة في التفسير:

 

اِستمرّت حركة التفسير إلى العصر الحاضر، وتعدّدت اتجاهات تفاسيره، ويلاحَظ أنَّ المفسرين للقرآن الكريم أصناف ثلاثة:

 

01- صنفٌ لم يزد على تقليد من قبله وترديد أقوالهم، فلم يُضفْ إلى عالم التفسير شيئًا يذكَر.

 

02- صنف جمع ما تفرّق بين التفاسير المتقدمة عليه، وأخرج لنا صياغة جديدة، دون أن يمكننا من معرفة رأيه، فغابت بذلك شخصيته

 

بين المتقدمين.

 

03- صنفٌ مبدعٌ ومجدّد في صياغة معاني القرآن الكريم، حيث استطاع أن يأتي بمفاهيمَ جديدةٍ ويستنتجَ استنتاجاتٍ عميقةً، اعتبارًا

 

لدراسته المتعمقة في مختلف التخصصات، وفهمًا للواقع المعيش.

 

 وعرفت التفاسير في هذا العصر ألوانًا واتجاهاتٍ، منها:

 

 

الاتجاه العلميّ:

 

وردت في القرآن الكريم آياتٌ عديدة ذاتُ مضامينَ علميّةٍ، تشير إلى الميادين العلمية المختلفة، مثل علم الفلك وعلم طبقات الأرض،

 

وجسم الإنسان، وعلم النبات وعلم الحيوان... ممّا أدّى بطائفة من العلماء إلى تفسير هذه الآيات القرآنية على ضوء نظريات العلم

 

الحديث، ومن أشهر التفاسير التي تمثل هذا الاتجاه تفسير الجواهر في تفسير القرآن للشيخ طنطاوي جوهري، الذي سمّاه: "الجواهر

 

في تفسير القرآن الكريم، المشتمل على عجائب بدائع المكونات، وغرائب الآيات الباهرات"، ولم يلقَ هذا التفسيرُ قبولاً لدى كثيرٍ من

 

المثقفين، ومما قال عنه الذهبيّ :«ولستُ أرى هذا المسلكَ في التفسير إلاَّ ضربًا من التكلّف؛ إن لم يذهب بغرض القرآن فلا أقلَّ من

 

أن يذهب بجلاله وجماله»([5]). وأرى أنّ هذا النوع من التفسير مفيد لتوسيع معاني الآية القرآنية من جوانب جديدة، إلا أنه مشروط

 

بأن لا يغفل أصحابُه عن المقصد الهدائي للقرآن الكريم، وعدم الجزم بأنّ ما انتهى إليه العلم الحديث هو عين مراد الله من هذه الآيات،

 

وعدم إقصاء تفاسير القدامى لها ما التزمت بضوابط اللغة والشريعة ومقاصد القرآن.

 

 

الاتجـاه البيانيّ:

 

يركز هذا الاتّجاه على بيان القرآن الكريم وبلاغته، ويهدِف إلى استجلاء خصائص الأساليب القرآنية استجلاءً يؤدي إلى تذوق القرآن،

 

ويهتمّ بالقضايا الأدبية والإنسانية وذلك كالقصة والنفس الإنسانية في القرآن، ثم قضايا الإعجاز النفسي والإعجاز البياني وما أشبه

 

ذلك، وخير ما يمثل هذا الاتجاه، التفسير البياني للدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، وهو تفسير نموذجيّ جمعت فيه المؤلِّفة

 

بين التنظير والتمثيل للمنهج الذي أسسه أستاذها أمين الخولي، يأتي بعده "في ظلال القرآن" لسيد قطب الذي يجمع بين خصائص

 

الاتجاهين؛ الأدبي والهدائي، ومنهجُ مؤلِّفه فريدٌ من نوعه فلئن سلك فيه المنهج التقليديّ (التحليلي) فقد ضمَّنَه نظرةَ القرآن الكليةَ

 

للموضوعات والقضايا الاجتماعية والإنسانية الكبرى([6]).

 

 

الاتجاه الإصلاحيّ الهدائي:

 

كان العالم الإسلاميّ في القرون المتأخرة ينطوي على كثير من عوامل الضعف والتخلف, وكان الجهل بأحكام الإسلام ومفاهيمه من

 

جهة، واستحكام العادات المحلية من جهة أخرى مِن أبرز ما يميز الوضع الاجتماعيّ والفكريّ لهذا العالم، وكان من أهمّ ملامح هذه

 

العهود وقوفُ أكثر علماء المسلمين من الحضارة الغربية موقفا ً سلبيًّا؛ لا يقتربون منها ولا يأخذون من علومها شيئا...

 

   دعا هذا الواقع المزريّ روادَ الحركة الإصلاحيّة في العالم الإسلاميّ إلى الإقبال على القرآن، يدرسونَه ويتدبّرونه ويفسرونه،

 

ويستلهمونه في جهودهم في الدعوة والحركة والتربية والإصلاح، متأثرين بالشيخ جمال الدين الأفغانيّ، حيث قام بحركة فكريّة هامة،

 

تصدع بصوت عامر بالإيمان، ومعتزّ بالقرآن، ويدعو إلى معالجة الفساد الاجتماعي، وذلك بالرجوع إلى الإسلام الحقّ، فكان من ذلك

 

الاتجاه إلى إصلاح المجتمع من خلال تفسير آيات القرآن الكريم، وقام عدد من العلماء بحمل هذه المَهمَّة مَهمَّة التفسير الإصلاحيّ

 

الاجتماعيّ للقرآن، وفي مقدّمتهم محمد عبده ثم اقتفى أثرَه تلميذُه محمد رشيد رضا، ثم المراغيّ وسيد قطب، حتى صار اتجاها بارزا

 

في التفسير الحديث.

 

ومن التسميات التي تطلق على الاتجاه الإصلاحيّ  في التفسير "الاتجاه الهدائي" وتسميته بذلك أمر واضح التعليل؛ نظرا لاتفاق

 

المفسرين الذين ينتمون لهذا الاتجاه على مبدأ كون القرآن كتابَ هداية؛ فينبغي لكل مفسر أن يستهدفها قبل كل شيء في تفسيره، حتّى

 

يؤديَ التفسيرُ دوره في تفعيل حركة القرآن في هداية المجتمع من خلال تقريبه من الواقع وتجسيد مفاهيمه الإصلاحيّة تجسيدا حيًّا،

 

وقد مثّل هذا الهمّ هاجسا مشتركا بين جميع التفاسير ذات المنحى الإصلاحيِّ.

 

 

التعريف بتفسير المنار

 

خير من يُعرّفنا بطبيعة تفسير المنار صاحبُه، حيث وصفه في صفحة العنوان بقوله: «تفسير القرآن الحكيم: المعروف بـ تفسير المنار:

 

هذا هو التفسير الوحيد، الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول، الذي يبين حِكَمَ التشريع وسننَ الله في الإنسان، وكونَ القرآن

 

هدايةً للبشر في كلّ زمان ومكان، ويوازن بين هدايته وما عليه المسلمون في هذا العصر وقد أعرضوا عنها، وما كان عليه سلفُهم

 

المعتصمون، مراعًى فيه السهولة في التعبير، مجتنبًا مزجَ الكلام باصطلاحات العلوم والفنون، بحيث يفهمه العامّة، ولا يستغني عنه

 

الخاصّة... وهذه هي الطريقة التي جرى عليها في دروسه في الأزهر حكيمُ الإسلام، الأستاذُ الإمامُ، الشيخ محمد عبده، رضي الله

 

عنه»([7]).

 

 

مزايا التفسير الشفاهي:

 

اِقترح الشيخ محمد رشيد رضا على أستاذه الشيخ محمد عبده أن يكتب تفسيرًا يقتصر فيه على حاجة العصر، ويترك كلَّ ما هو موجودٌ

 

في كتب التفسير، ويبيّن ما أهملوه، فأجابه قائلاً: «... إنَّ الكلام المسموع يؤثّر في النفس أكثر ممّا يؤثّر الكلامُ المقروء، لأنّ نظر

 

المتكلّم وحركاته وإشاراته ولهجته في الكلام، كلّ ذلك يساعدُ على فهم مراده من كلامه... إنَّ السامع يفهم 80% من مراد المتكلّم،

 

والقارئ لكلامه يفهم منه 20% على ما أراد الكاتب»([8])

 

إنَّ هذه الرؤية تعكس بوضوح حاجة الأمّة الماسّة إلى خروج التفسير عن كونه مجرّد علم نظريٍّ، واتجاهِه صوبَ الواقع ليستوعب

 

ضروريات الحياة ويستجيب لمتطلباتها، ويزيد الشيخ محمد رشيد رضا بيان حاجة الأمّة إلى التجديد في التفسير، المتميّز بالتأصيل

 

والواقعيّة، حيث يقول: «فكانت الحاجة شديدة إلى تفسير تتوجه إليه العناية الأولى إلى هداية القرآن، وعلى الوجه الذي يتفق مع

 

الآيات الكريمة المنزلة، في وصفه، وما أنزل لأجله من الإنذار والتبشير والهداية والإصلاح... ثم العناية إلى مقتضى حال هذا العصر

 

في سهولة التعبير، ومراعاة إفهام صنوف القارئين، وكشف شبهات المشتغلين بالفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها».

 

 

جهود مدرسة المنار في تجديد تفسير القرآن:

 

نجد أستاذ المدرسة الأوّلَ الشيخَ جمالَ الدين الأفغانيَّ ينبّه لقضية منهجيّة هامّة في تفسير القرآن هي التفريق بين كلام رب الناس الذي

 

لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين كلام الناس (التفسير) الذي هو رأي واجتهاد يؤخذ منه ويترك، إذ يقول: "القرآن وحده

 

سبب الهداية والعمدة في الدعاية وما تراكم عليه وتجمّع حوله من آراء الرجال واستنباطاتهم ونظرياتهم ينبغي ألا نعوّل عليه كوحي

 

وإنما نستأنس به كرأي…ولا نحمله على أكفِّنا مع القرآن في الدعوة إليه وإرشاد الأمم إلى تعليمه…وتفسيره وإضاعة الوقت فيه".

 

 إنّ هذه نقطة منهجيّة جوهريّة وأرضية صلبَة للانطلاق نحو المسار الصحيح لتفسير القرآن الكريم، وقد نتج بسبَب الغفلة عنها انقلابُ

 

الهامش على النصّ، حيث إنَّ التراث البشريَّ يشكّل في كثير من الأحيان حجابا بين القارئ والهدايات القرآنية. يقول الشيخ محمد

 

عبده: "..التفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة فإن

 

هذا هو المقصد الأعلى منه وما وراء هذا من المباحث تابع له أو وسيلة لتحصيله..."

 

 

تصنيف الشيخ محمد عبده لعلم التفسير:

 

يُعدُّ الشيخ محمد عبده رائد التجديد في التفسير، يدعو إلى التحرّر من قيود التقليد والتعصّب لأقوال القدامى، مراعيًا في التفسير المقصد

 

الهدائيّ، مجتهدًا في توظيف أوجه النحو وضروب المعاني والنكت البلاغية على حسب ما يخدم به هذا الغرض العامّ، وفي ذلك يقول:

 

«إنّ الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه، وإنّما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سنّة نبيّنا

 

الذي بيّن لنا ما نزل إلينا ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِـتُـبَـيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل:44) يسألنا هل بلغتم الرسالة؟ هل

 

تدبّرتم ما بلغتم؟ هل عقلتم ما عنه نُهيتُم وما به أُمرتم؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن؟ واهتديتم بهدي النبيء r واتّبعتم سنّتَه؟ عجبًا لنا

 

ننتظر هذا السؤال ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه، فيا للغفلة والغرور!!» ([9]). لذلك نجده يقسم التفسير إلى قسمين:

 

أحدهما: جافٌّ مبعِدٌ عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به حلّ الألفاظ وإعراب الجمل، وبيان ما ترمي إليه تلك العبارات والإشارات من

 

النكت الفنيّة، وكان يرى بأنَّ هذا لا ينبغي أن يسمّى تفسيرًا، وإنما هو ضربٌ من التمرين في الفنون، كالنحو والمعاني وغيرهما.

 

وثانيهما: ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام، على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها

 

إلى العلم والهداية المودَعة في الكلام، ليتحقّق فيه معنى قوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ (الأنعام:154) ونحو ذلك من الأوصاف. قال

 

الأستاذ: «وهذا هو الغرض الأوّل الذي أرمي إليه في قراءة التفسير»([10]).

 

 

معالم التجديد في التفسير عند مدرسة المنار:

 

01 - التأكيد على التزام المفسر للقرآن إبراز مقاصد القرآن، وعلى رأسها الهداية وتثبيت العقيدة الصحيحة، ويقتضي ذلك تنزيلَ

 

التفسيرِ وأحكامِ القرآن على واقع الأمّة لعلاج قضاياها ومشاكلها.

 

02 - الالتصاق بلغة القرآن ما أمكن بدون تكلف، والتماسُ المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والحذر من تأثير المفاهيم

 

المحرفة التي حدثت بعد عصر التنزيل.

 

03 - لأجل تحديد دلالة اللفظ القرآني يُحرَص على جمع ما تكرّر منه في القرآن والنظر في معانيه المختلفة تبعا لسياقاته.

 

04- النظر إلى القرآن الكريم نظرةً بعيدة عن التأثر بمذهب من المذاهب، فلم يكن منه ما كان من كثير من المفسرين من التأثر

 

بالمذهب إلى الدرجة التي تجعل القرآن تابعًا لمذهبه، فيؤول القرآن بما يتفق معه، وإن كان تأويلاً متكلَّفًا وبعيدًا.

 

05- الوقوف من الروايات الإسرائيلية موقف الناقد البصير، فلم يشوّه التفسير بما شوّه به في كثير من كتب المتقدمين، من الروايات

 

الخرافية المكذوبة، التي أحاطت بجمال القرآن وجلاله، فأساءت إليه وجرأت الطاعنين عليه!!

 

06- عدم الاغترار بما اغترّ به كثيرٌ من المفسرين من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التي كان لها أثر سيءٌ في تفسير القرآن

 

الكريم، ولقد كان من  أثر عدم اغترار مدرسة المنار بالروايات الإسرائيلية والأحاديث الموضوعة، أنها لم تخض في تعيين ما أبهمه

 

القرآن، ولم تجرؤ على الخوض في الكلام عن الأمور الغيبية، التي لا تُعرف إلا من جهة النصوص الشرعية الصحيحة، بل قررت مبدأ

 

الإيمان بما جاء من ذلك مجملاً ومنعت من الخوض في التفصيلات والجزئيات، وهذا مبدأ سليمٌ، يقف حاجزا منيعًا دون تسرّب شيء

 

من خرافات الغيب المظنون إلى العقول والعقائد.

 

07- إبعاد التفسير عن التأثّر باصطلاحات العلوم والفنون، التي زجّ بها في التفسير بدون أن يكون في حاجة إليها، ولم يتناول من ذلك

 

إلا بمقدار الحاجة، وعلى حسب الضرورة فقط.

 

08- النهجُ بالتفسير منهجًا أدبيًّا اجتماعيًّا، فكشفت عن بلاغة القرآن وإعجازه، وأوضحت معانيَه ومراميَه، وأظهرت ما فيه من سُنَن

 

الكون ونُظُم الاجتماع، وعالجت مشاكل الأمة الإسلامية خاصّة، ومشاكل الأمم عامّةً، بما أرشد إليه القرآن من هداية وتعاليم، جمعت

 

بين خيري الدنيا والآخرة، ووفّقت بين القرآن وما أثبته العلم من نظريات صحيحة([11]).

 

09- دخول عالَم التفسير من غير مقرّرات مسبَقة، لأنّ القرآن إمامٌ يجبُ اتّباعُه، فمن الخطأ اعتباره تابعًا لآراء المفسّر ومعتقداته، بل

 

هو مصدر الهداية وأدقُّ ميزان، وفي ذلك يقول الشيخ محمد عبده: «إذا وزنا ما في أدمغتنا من الاعتقاد بكتاب الله تعالى، من غير أن

 

نُدخلها أوّلاً فيه، يظهر لنا كونُنا مهتدين أو ضالّين، وأمّا إذا أدخلنا ما في أدمغتنا في القرآن وحشرناها فيه أوّلاً، فلا يمكننا أن نعرف

 

الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان فلا يدرى ما هو الموزون به!!...

 

أريد أن يكون القرآن أصلاً تُحمل عليه المذاهب والآراء في الدين، لا أن تكون المذاهب أصلاً والقرآن هو الذي يُحمَل عليها، ويرجع

 

بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون»([12]).

 

اِقتفى الشيخ محمد رشيد رضا أثر شيخه فكان جريئًا بالصدع بالحقّ، ومن ذلك تصريحه برأيه في أصحاب الكبائر انتصارًا لما دلّت

 

عليه الآية الكريمة الواردة في سياق النهي عن أكل الربا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُؤْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:275)  فحكم

 

بالخلود في النار على آكل الربا، وممّا قال في تقرير منهجه الواضح الجريء في التعامل مع القرآن الكريم، وفي استدلاله على رأيه

 

في هذه المسألة: «...والحقّ أنَّ القرآن فوق ما كتب المتكلّمون والفقهاءُ، يجبُ إرجاعُ كلِّ قولٍ في الدين إليه، ولا يجوز تأويلُ شيءٍ

 

منه ليوافق كلامَ الناس، وما الوعيد بالخلود هنا إلاَّ كالوعيد بالخلود في آية قتل العمد، وليس هناك شبهة في اللفظ على إرادة

 

الاستحلال...»([13]) وهذا ما يقتضيه الإنصاف، ويثمر عن دخول القرآن من غير مقررات مسبقة، فإنَّ القرآن لا يتبع العقيدة، وإنما

 

تؤخذ العقيدة من القرآن.

 

كان لمدرسة المنار آثارٌ ونتائجُ إيجابيةٌ على الأمّة الإسلامية، إنْ على مستوى البحث والدراسات القرآنية، أو على مستوى إعادة

 

القرآن إلى مركزيته في إصلاح أوضاع الأمّة، يكفيها شرفا وتجديدا أنها أغنت التفسير باتجاهات ومباحث جديدة، وبقضايا اجتماعية

 

تعكس واقع الأمّة وتطلّعاتها، كما فتحت الباب لمحاولاتِ التجديد المنهجيّ التي أتت بعدها.

 

وكعيّنة لهذه المحاولات سنتناول في الجزء الثّاني بإذن الله الاتجاه الإصلاحيّ في التفسير عند العلماء الجزائريين من خلال علمين من

 

أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هما: الشّيخ عبد الحميد بن باديس والشّيخ إبراهيم بيوض.



([1])- ابراهيم شريف: اتجاهات التجديد: 199.

([2])- القرآن والدراسات المصطلحيّة: 21.

([3])- صلاح عبد الفتاح الخالديّ: تعريف الدارسين بمناهج المفسرين: 45.

([4])- محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون: 2/383.

([5])- محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون: 2/373.

([6])- صلاح عبد الفتاح الخالديّ: تعريف الدارسين بمناهج المفسرين: 568.

([7])- تفسير المنار، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت- لبنان، 1423هـ/2002م، ص:1/5.

([8])- تفسير المنار:1/17.

([9])- تفسير المنار:1/27.

([10])- تفسير المنار:1/25.

([11])- محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون: 2/401-402.

([12])- تفسير سورة الفاتحة:54،  نقلا عن الذهبي: التفسير والمفسرون:2/408.

([13])-تفسير المنار:3/83؛ محمد حسين الذهبي: التفسير والمفسرون: 2/426.

أضف تعليقا