كلية المنار للدراسات الإنسانية

ماذا يحدث للمسلمين ولماذا؟؟!!

د. محمّد بن قاسم ناصر بوحجّام

الاثنين 07 جويلية 2013

46

0

ماذا يحدث للمسلمين ولماذا؟؟!!

 

 

لماذا لا يقبل الغرب أن ينتصر العرب والمسلمون؟ لماذا يتربّص الجميع بهم الدّوائر؟

 

ويحيطهم بكلّ أنواع المخاطر؟ لماذا يخاف الكلّ من أن يحكموا - على الأقلّ - فيما يملكون؟

 

لماذا لا يرضون أن يتفوّقوا أو يسودوا؟ لماذا لا يقبلونهم قوّة فاعلة في السّاحة؟ لماذا لا

 

يعجبهم أن يكون لهم قدم  في مسيرة التّقدّم والحضارة؟ لماذا يخشون أن يسترجعوا أمجادهم

 

الغابرة؟ ويفرضوا قيم الحياة الحقيقية، التي تعطي كلّ ذي حقّه حقّه؟  لماذا يحملون شعار

 

حطّموا الإسلام أبيدوا أهله؟  لماذا لا يقبلون أن تكون كلمة الله هي العليا؟ لماذا...لماذا ؟؟!!

 

إنّ الإسلام دين المبادئ، الذي يحمل القيم الإنسانية، التي توفّر أسباب الحياة لكلّ مخلوق على هذه البسيطة، وتمنحه  حقوقه التي

 

تجعله إنسانًا كريمًا، يعيش عيشة سوية، هو دين الفطرة التي فطر النّاس عليها ليكونوا متآخين في علاقاتهم، أصفياء في معاملاتهم.

 

متعاونين في أمورهم، متحكّمين في شؤونهم.. الدّين الذي يعلن أنّ  الرّعايا الذين تسفك دماؤهم كلّ يوم بغير حقّ، وتغتصب حقوقهم

 

بشهيّة القهر والضّيم.. إنّما هم مخلوقات الله سبحانه وتعالى، الذي خلق هؤلاء الطّغاة ومنحهم هذه القوّة، وهذه الإمكانات، التي لا

 

يعترفون بها ظاهرَا، لكنّهم يعرفونها باطنًا.

 

هذه المقوّمات تتعارض مع مصالح الغرب الطّامحة إلى السّيطرة على العالم كلّه، وتقف حجر عثرة في طريق مطامعهم الكبيرة.

 

لذا يلتزمون أمام أخلاقهم اللّئيمة بعدم السّماح لكلّ ما يفتح عيون النّاس إلى حقوقهم أن يظهر، بل يلزمون أنفسهم القضاءَ على كلّ

 

ما يسبّب تعطيل مشروعاتهم التّدميرية، وإجهاضَ  كلّ تفكير - بأيّة وسيلة – يعين على القيام بأي عمل يمنح الفرصة للفرد العربي

 

المسلم أن يكون قوّة فاعلة في الوجود، وَوَأدَ كلّ شعور ينتفض ليذكي الحماسة في النّفوس لتبحث عن حياة كريمة عزيزة.

 

إنّ الحلّ عند هذا الظّالم المستبدّ هو التّآمر على كلّ من يسعى ليحكم ولو في شبر في هذا الكون الفسيح، وتدبير المخطّطات التي

 

تحجب عنه كلّ سبب يساعده على طلب حقّه المشروع في اتّخاذ أيّ قرار، يتيح له التّصرّف في شؤونه. بهذا النّظرة والمعتقد عاش

 

المتغطرس والمهيمن والمسيطر والمتعالي على المؤامرات والمناورات والمقايضات والمساومات...تدفعه إلى كلّ ذلك البغضاء

 

والحقد والمكر، التي تبدو في فيه، وما يخفيه صدره أكبر.

 

ما يحدث في مصر هذه الأيّام خير شاهد على هذا الحقد الدّفين، والدّاء المكين، والفعل الشّنيع على الإسلام والعروبة... فما دامت

 

مصر تخلّصت (أو ثارت) من الدّكتاتورية، التي فتحت المجال واسعًا للغرب كي يرتع ويلعب في ساحاتها كما يشاء، وينهب خيراتها

 

كما يشتهي، ويلهب النّار في أجسام أهل الأرض والبلاد كي يحترقوا أو يندحروا، أو يكووا بلهيبها، ما دامت مدلّلتهم إسرائيل التي

 

صُنعت على أيديهم قد زحزحت وأخرجت من دائرة التّحكّم في رقاب الوطنييّن الأحرار، وحرم الغرب من التّصرّف في مُلكَ مصر كما

 

يحلو له ويلذّ ويستلذّ...وحرم العدوّ اللّدود القريب من حدود الأرض، وحدود القلوب الضّعيفة والسّقيمة..والملتصق والمـقـرَّب مــن

 

النّفوس الذّليلة المتخاذلة..إسرائيل المنفذّة لمشروعات التّدمير والتّذويب، والتّنكيل...ما دام قد حدث هذا، فلابدّ من اتّخاذ الخطوات

 

اللاّزمة الحاسمة الرّدعية للحفاظ على الامتيازات في المنطقة. واتّباع سياسة جديدة في الاحتلال والاستغلال والإذلال,,والقمع والرّدع

 

والمنع من كلّ عمل يمنح فرصة للخروج من التّبعية والتّذلّل والخضوع والخنوع..

 

هذه السّياسة خطّة استعمار جديد، لا يقوم على إرسال جنود إلى هذه الأراضي التي يراد الحفاظ على حقّ السّيطرة عليها، ومنع

 

أصحابها من التّحكّم والتّصرّف فيها، هذا التّدبير وهذا التّخطيط، يقومان على قواعد دفع النّظام أن يتآكل من الدّاخل، بحكّامه

 

ومحكوميه وعلاقاته فيما بينهم ..ليدبّ في عمق الدّولة الوهن، وتسري في جسمها كلّ أنواع الأمراض الفتّاكة ماديا ومعنويا، لترهين

 

علاقاتها الواهية والعدوانية فيما بين أبنائها، فيكون القضاء عليهم بالفتن التي تأتي على الأخضر واليابس، وبالأعمال التي تـهـلــك

 

الحرث والنّسل. فالشّعب المصري الذي أظهر شجاعة وإرادة وحكمة وحنكة في الإطاحة بالنّظام الفاسد، وقام بعمل حضاري في هذا

 

السّـبـيـل.

 

سرعان ما تراجع إلى الخلف، وارتكب الحماقات والسّخافات، وقدّم ألوانًا من مظاهر التّخلّف والتّردّي فانقلب على نفسه، ونكس على

 

عقبيه، فخسر كلّ شيئ؛ بعد أن عاث في أرضه فسادًا، وارتمى في أحضان المفسدين في الأرض من الصّهاينة والحاقدين على الإسلام

 

والعروبة وقــيـمـهـا، فكانوا ضمن الـخـطّـة الجـديـدة في استعمار المنطقة. فثاروا على الشّرعية والشّريعة والمشروعات النّهضوية

 

التّغييرية.

 

هذه الخطط وهذه التّدابير هي إنذارات لمن يسير في طريق مصر، فهناك تونس وليبيا وغيرهما ممّن سار في دربها، وتحذيرات لمن

 

تسوّل له نفسه أن يجرّب حظّه فيتّخذ ما أقدمت عليه مصر سبيلا إلى التّحرّر من قبضة هؤلاء ومؤامراتهم وخططهم، ليتعلّم الـكــلّ

 

 الدّرس من مصر العظيمة، فلا عظمة إلاّ للغرب وإسرائيل، فكلّ من رام العظمة رَمَتْهُ عظمته في مرمى الغرب ومن يسير مسيره،

 

فيغدو رميّة وضحيّة من ضحايا الغطرسة والقهر والتّنكيل...

 

ما يحدث في العراق وسورية وتونس وليبيا وتركية ظاهرًا، وما يحدث في غيرها باطنًا لا يحتاج إلى بيان وتوضيح، إلاّ عند المغفّلين

 

أو السّذّج أو المتآمرين مع العدوّ. وما تتعرّض له إيران ونيجيريا غير خاف عن الأعين الباصرة والقلوب المبصرة. لـقـد قــال ابن

 

غريون فيما معناه: ليست قوّة إسرائيل أو هيبتها في امتلاكها القنبلة الذّرية، إنمّا في القضاء على ثلاث دول هي العراق ومــصـر

 

وسورية. فليتأمّل العاقل في الأحداث الجارية والأقوال السّالفة. وليربط بين التّصريحات والتّنفيذات، وليصل المقدّمات بالنّتائج، ولينظر

 

في المسير، ولينتظر المصير...

 

هذه الأوضاع المزرية، وهذه الأحوال المتردّية، تدفعنا دفعًا، وتدعنا دعًّا إلى إعادة النّظر في مناهجنا التّكوينية والإعدادية والتّربوية،

 

التي نعدّ بها ناشئتنا ونابتتنا، في مدارسنا ومراكزنا التّعليمية، بمختلف مراحلها، فإنّ هذه المؤسّسات لا تكوّن الفرد فينا على القيم

 

الصّحيحة القويّة التي تنبع من فكرنا الحقيقي الصّحيح. ولا تبنيه بما يمنحه قوّة ليكون اكثر حبًّا لفكره، وأكثر انجذابًا لثقافته، وأكثر

 

غيرة على تراثه، وأكثر االتصاقًا بانتمائه..فالتّعليم هو صلب البنيان الاجتماعي، وهو القوّة الدّاعمة والمتحكّمة في العقول والنّفوس،

 

والموجّهة لكلّ حركة ونشاط. هو الذي يضمن الولاء المطلق للمبادئ والقيم، تقول الدّكتورة صفاء محمود عبد العال عن طبيعة التّعليم

 

في المناهج الإسرائيلية: "..والشّاهد انّ ما تهدف إليه الحركة الصّهيونية في مجال التّعليم، هو خلق وتنمية روح العداء للعرب،

 

وتشويه صورتهم لدى الجيل الإسرائيلي الحالي والأجيال التّالية..ولعلّ المناهج الدّراسية هي الوسيلة المثالية التي تساعد المؤسّسات

 

الصّهيونية في تحقيق ما تبتغيه.

 

فالأساليب الصّهيونية تقوم على التّأكيد على التّربية الأيديولوجية من خلال المشاريع المخطّطة (الأنشطة  التّربوية)، التي ينفّذها

 

الصّغار في المدرسة الابتدائية بأرض إسرائيل اللاّحدودية، بالإضافة إلى تعميق الكراهية للعرب في نفوس التّلاميذ.." (كتاب تربية

 

العنصرية في المناهج الإسرائيلية، ص: 24)

 

لم نفقه دور التّعليم، أو تعمّدنا تحييده عن مساره الحقيقي في تربية العنصرية نحو القيم الإنسانية التي تبني الفرد بناء سليمًا، ينتج

 

عنه الخير والنّفع، ولم نرد أن نوجّهه ليكوّن لنا رجالا يعتزّون بأصالتهم، ويفخرون بمبادئهم، ويرتبطون بجذورهم، ويتمسّكون

 

بقيمهم، فكانت لنا شراذم تمنح الفرص للكيان لينخر من الدّاخل، وتسمح  لمبيدات الأصالة والنّخوة والإباء أن تتكاثر، وتفسح

 

المجال للدّخيل أن يفعل فينا ما يشاء.

 

المهمّ إنّ اليهود والنّصارى لن ترضى عنّا حتى نتّبع ملّتها، ولكنّها لن تنتصر علينا إذا كان الله ناصرنا وكان معنا، والله لا ينصرنا

 

ولن يكون معنا حتّى نحبّه، وحبّه هو الرّجوع إليه في شرعه وما أمر به..واليقين فيه أنّه القويّ العزيز الجبّار القهّار، الذي لا تقوى

 

أيّة قوّة أن تهزمه، أو تتحدّى إرادته.. 

 

والأهمّ أن نعرف أنّ العدوّ لن يكفّ عن التّربّص بنا، ما دمنا أذلاّء ضعفاء سذّجًا، لا نفقه ما يحيط بنا، ولا ندري ماذا يراد لنا، ولا

 

ما يخطّط للقضاء علينا. ولا نسعى لأن نكون أحرارًا في نفوسنا، وفيما نملك، وفيما نخطّط. ولا نفلح في إبعاد الأعداء عن حمانا،

 

حتّى نكون رحماء بيننا، أشدّاء على الكفّار..  ولنعلم أنّ الصّراع بين المسلمين واليهود ليس صراع أرض وحدود، إنّما هو صراع

 

ثقافة ووجود. فإذا تمكّنا من التّشبّع بثقافتنا الأصيلة، وأثبتنا وجودنا بقوّة، وأعطينا الثّقة في أنفسنا، مستمدّةً من عزّة خالقنا، وأرهبنا

 

عدوّنا، وطردناه من قلوبنا وأراضينا، فكانت لنا كرامتنا وعزّتنا وحقوقنا وأموالنا وممتلكاتنا... ذهبت عنّا أطماع الأعداء إلى غير

 

رجعة، وسرنا نحو شاطئ الأمان، وسبيل الكرامة والعزّة بسرعة.  

 

نحن لم نوجّه هذه القوّة بما يخدم التّربية الحقيقية والتّنمية الشّاملة التي تصنع الأبطال الذين يلتفّون حول كيانهم، ويلتفتون إلى

 

واجباتهم الدّينية والأخلاقية في حماية أنفسهم من المخاطر المحدقة بهم من كلّ جهة، ومن كلّ فئة.

 

علاقاتنا فيما بيننا ليست قائمة على أساس التّعاون والتّضامن والتّآخي، وعلى قواعد حبّ الخير للآخر، وحمايته من كلّ الأخطار

 

المحدقة به، وتقديم المصلحة العامّة على المصلحة الخاصّة، وعدم السّماح للدّخيل أن يتدخّل في شؤوننا الخاصّة.

 

لم نتمكّن أن نفهم أنّ الظّالم هو أضعف من أن يستطيع تنفيذ مخطّطاته العدوانية، وأنّه يظهر قويًّا حين يبدي المستضعف منّا وهنه

 

وجبنه وذلّته، بدليل أنّ الدّول التي وعت هذه الحقيقة، وقفت بالمرصاد أحيانًا، وبعدم المبالاة أخرى أمامه، تتحدّاه وتتوعّده وتستفزّه،

 

فلم تتراجع عن مشروعاتها، ولم تسمح للعدو المهدّد المتغطرس أن يسرق منها قوّتها وهيبتها، أو يسلب منها إرادتها، ولا أن يمنع

 

عنها التقدّم في مسيرته الحضارية. فكان في كلّ مرّة يهدّد بقمعه، ثم يهدّئ من روعه. فهمت هذه الدّول أن نقطة الضّعف في الجبّار

 

المستغلّ تكمن في خوفه ممّن وعى حقيقته، أنّه لا يملك القوّة القاهرة القامعة التي يدّعيها. هذا الموقف يذكّرنا بما قاله أحد شجعان

 

العرب وأبطاله : عنترة بن شدّاد، قال له رجل: أنت أشجع النّاس، أجابه: لست كذلك، قال له الرّجل: كيف تقول هذا، وأنت الذي يقهر

 

الشّجعان، ويخافه كلّ إنسان. قال له عنترة: كنت إذا ظفرت بالجبان أضربه ضربًا قويًا، يطير لها قلب الشّجاع فرقًا، فينبعث الرّعبُ

 

 والخوف في قلبه فيخافني. هذا ما يفعله العدوّ الذي يجثم على صدورنا، ويتحكّم في مصائرنا، ويوجّه حياتنا، ويريدنا أن نبقى أسيري

 

إراداته. لذا لا يسمح لنا أن نفيق من سباتنا، ولا أن نصحو من غفلتنا، ولا أن نقوم من كبواتنا، ولا أن نقيل عثراتنا، ولا أن نفقه شيئًا

 

في حياتنا.

 

نقول مع كلّ هذه الحال: يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، إذا رجعنا إليه، وعرفناه حقّ المعرفة بحسن أعمالنا والإحسان

 

في عبادتنا، بأن نعبده حقّ العبادة. ونردّد: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون، إذا كنّا بهذا النّور

 

نستنير، وبضيائه نستبين المسير. ونؤكّد كما ورد في قرآننا: ( ..وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُومِنِينَ ) (الروم: الآية47)، إذا استنصرناه

 

بقلوبنا، ونصرناه بأفعالنا فينصرنا. ( إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والذينَ آمَنُوا في الحياةِ الدُّنيَا وَيَوْمَ يَقومُ الاَشْهادُ ) (غافر: (51).

 

لنتذكّر جميعًا ولنقرأ بفهم عميق قوله تعالى: ( وَعَدَ اللهُ الذينَ آمنُوا مِنْكمْ وعملُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرضِ كمَا اسْتَخْلَفَ

 

الذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُم الذي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمُو أَمْنًا يَعْبُدُونَني لا يُشرِكونَ بِي شَيْئًا ومنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَالِكَ

 

فَأُولَئِكَ همُ الفاسِقُونَ ) (النّور: 55) ليكون لنا عونًا على استرجاع وعينا وقوّتنا ويقيننا في نصر ربّنا، وثقتنا بأنفسنا، وفي الوقت

 

نفسه نتحلّى بروح الالتزام وبالعهد على محاسبة نفوسنا، ومراجعة سلوكنا، وصدق القول وحسن العمل.

أضف تعليقا