كلية المنار للدراسات الإنسانية

قُــوَّةُ الدَّفْـعِ الحَضَارِيِّ

ابن عمر أحمد بن محمد

الأحد 02 فيفري 2014

725

0

قُــوَّةُ الدَّفْـعِ الحَضَارِيِّ

إنّ الأمم التي بلغت شأوا (المرتبةُ العالِيةُ) عظيما، وتمكّنت من الوسائل المــُبَلّغةِ للحضارة، قفزت بذلك إلى مصاف المجتمعات وصدارة العلم، فخلّدت لأجيالها تاريخا زاخرا ومجدا أثيلا وذكرا طيّبا، كُتِب في جبين التاريخ بماء الذهب، وغدت مضربا لمثل يحتذى به ومَعلَما سامقا يُشار إليها بالبنان، فما هو السر في ذلك يا ترى؟ إنه – والله أعلم – عُلُوُّ الهمّة ...فما هي الهمّة العالية؟

لقد وصفها ابن القيم بقوله: « عُلُوُّ الهمّة ألاّ تقف ( أي النفس) دون الله، ولا تتعوّض عنه بشيء سواه ولا ترضى بغيره بدلا منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية....  »، وقال الشيخ أحمد بن ابراهيم الدرعي: « كن رجلا رجله في الثّرى وهَمُّـه في الثريّا وما افترقت الناس إلا في الهمم، فَمَن عَلَتْ هِمّته عَلت رتبته ولا يكون أحد إلا فيما رضيت له همّته  ». وقال زيد بن ثابت – مترجما لهمته – لما رشّحه أبو بكر لجمع القرآن الكريم: « فو الله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال لما كان أثقل عَلَيَّ ممَّا أمرني بِه من جمع القرآن ».فالهِمَّة العالية إِذن تحرِّك الوجدانَ وتَدْفع المرءَ لِأَن يخترق الحَواجزَ والحُجُب، لِيصل إلى ما تصبو إليه نفسه ويكون رقما صعبا في هذه الحياة، وفي سبيل ذلك يبذل المرء  كلَّ غالٍ ونفيسٍ، فترسل الهمة نورا وضّاءً في القلوب، وأريجًا  فواحا في النفوس ويُترجم  كلّ ذلك إلى عملٍ مخلصٍ متواصِلٍ دؤوبٍ، وبهذا تَـتَحرَّك عجلة التاريخ وتنبضُ الحياةُ وتُبْنى الحَضَارات. وأمَّا مَن ضَعُفَت هِمَّته وَوَهَنَت، فَقدْ غَارتْ حَقِيقته وطُمِست مَعَالمه، فلا حياةَ تُرْجَى مِنْه، فَهُوَ أَقْرَب إلى العَدمِ مِنْهُ إلى الموتِ، لقد أصابه بذلك (أي ضعف الهمة) الخَوَرُ والوهن، فهو كالصّوف المنفوش تذروه الرياح أنى شاءت وكيفها شاءت أو ( كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيـَاحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىا شَيْءٍ ذَالِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ ) - سورة إيراهيم: 18 -.

بِربّكم خَبِّروني ! أَيُّ حياةٍ تُرجى من هذا وأمثاله ؟ إنَّ هوان النفس وضعف الهمَّة من صفات المنافقين إذ قالوا: ( ... لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ... ) - سورة التوبة: 81 -. فالتَّسويفُ والتَّأجيلُ من الخَوَرِ (الـمُنْخَفَضُ من الأَرضِ)، والرُّكُونِ (الـمَيْلُ)إلى الدَّعَة والخَنَس والرَّاحة من أعمال الخائنين لأعمارهم ومجتمعاتهم.

أما وسائل ترقية الهِمَّة كما يراها الدكتور محمد موسى الشريف في كتابه « الهِمَّةُ طريق إلى القِمَّةِ » تَكْمُنُ في: 

1. مجاهدةُ النفسِ وعدم الرُكونِ إلى الهوى لقوله عزّ وجلّ :( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) - سورة العنكبوت: 69 -.

2. الدعاء الصادق والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى .

3. اعتراف الشَّخص بقصور همته وإنه لابد أن يطورها ويعلو بها.

4. قراءة سِيَر السَّلَفِ الصَّالح.

5. مُصاحبة صاحب الهمة العالية.

6. مُراجعة  جدول الأعمال اليومي ومراعاة الأولويات.

7. التنافس والتنازع بين الشخص وهمته.

8. الابتعاد عن كل ما من شأنه الهبوط بالهِمَّة وتضييعها.

فَارْبأْ (فَارْتَفِعْ) بنفسك أيها الأخ الكريم عن ضَعَة النفس وهوانها عندك وعند الناس، كما أُحَذِّرك وإِيَّايَ من معاشرة النفوس الكليلة (الثَّقيلُ الذي لاَ خير فيهِ)، والأفئدة المستكينة والقلوب المريضة، فإنها (فيروس) رعاف يسري في أغوار الأرض، ويقتل كل جميل ويُحْيِي كل خبيث، فمتى كثر ضِعَاف النفوس في المجتمع اهتزّت أُسُسُه وتداعت أركانه وأصبح أثرا بعد عين.

أضف تعليقا