كلية المنار للدراسات الإنسانية

عشتَ يا علم معْلَمًا للاتَحاد ومنْبَعًا للرَّشاد!!

عشتَ يا علم معْلَمًا للاتَحاد ومنْبَعًا للرَّشاد!!

 

 

 

صنع العلم الجزائري الحدث في العرس الكروي الكبير الذي عرفته الجزائر الحبيبة هذا

 

الأسبوع، وتأهّلها لنهائيات كأس العالم، التي ستقام في بلد الكرة: البرازيل، موطن منبت

 

عمالقة كرة القدم، وبلاد أسطورة الكرة المستديرة بيليه. هذا العلم وحّد الأفئدة، وجمع

 

الأحبّة، وزيّن البيوت والشّوارع، وجمّل الواجهات والحارات..في هذه المحطّة التّاريخية

 

الكبيرة ردّت للرّاية الجزائرية هيبتها ومكانتها في النّفوس، وركّزت في القلوب والعقول

 

رمزيتها الدّالة على الأصالة والارتباط بمرجعية واحدة في الوطنية وما يتولّد عنها من العزّة والكرامة، والمروءة والشّهامة،

 

وفي هذا الشّعور والتّدبير كلّ السّلامة.

 

هنيئًا للشّعب الجزائري بنبل هذه المشاعر، وسقيًا له لهب هذه المشاعل التي أوقدت بداخله، وتأجّجت في أعماقه؛ بمناسبة هذا

 

الفوز الكبير في ميدان الكرة، وشكرًا للاّعبين الذين رفعوا راية الجزائر عالية في سماء المجد وفي ميادين الانتصارات، فمن

 

دخل مجالاً يجب أن يكون فيه محترفًا وقادرًا على تحقيق النّصر، ومثابرًا ومجتهدًا ومجاهدًا للوصول إلى الأهداف المنشودة، وإلاّ

 

فليترك الميادين لغيره، وليفسح المجال للقادرين المقتدرين على ذلك. وشكرًا لصانعي هذا الحدث؛ لتمكين الجزائر من الظّفر براية

 

تمثيل العرب في المحفل الكروي المهمّ، وفي بلد ليس كالبلدان الأخرى التي أقيم فيها العرس الكروي العالمي، وفي مناسبة يرجو

 

ويأمل ويطمح كلّ بلد أن يكون حاضرًا فيها. لقد أخذ الجزائريّون هذا الحقّ غلابًا، وذاقوا مرارة وصابًا.

 

حيّاك أيّها العلم المفدّى! وقد رفعت رؤوسنا عالية. وعشت أيّها العلم الرّمز! وقد جمعت بيننا في مودّة وإخاء وتضامن..نرجو أن

 

تكون دائمًا حاضرًا بيننا في قلوبنا وفي ذاكراتنا، وفي كلّ حركاتنا وسكناتنا؛ لنبقى على العهد، ولا نتكّر للمجد. ونظلّ في الطّريق

 

الصّحيح، ولا نضلّ عنه ولا نحيد.

 

ما حقّقه اللاّعبون مهمّ، وما فعله الجزائريّون في هذا الحدث مقبول. ولكن هل وعى الجميع الرّموز التي يحملها العلم الذي كانوا

 

يرفعونه، ويتفنّنون في التّعامل معه؟ هل يظلّ هذا العلم معهم دائمًا في قلوبهم وعقولهم، وأقوالهم وأفعالهم، وفي تفكيرهم

 

وتدبيرهم، وفي معاملاتهم وعلاقاتهم بينهم، ومع غيرهم؟ هل عرفوا الدّلالات الحقيقية التي يتضمّنها هذا العلم: بألوانه وشكله،

 

وما يتّصل ويرتبط بإعداده، وما قُدِّم من أجله من تضحيّات جسام من رجال أشاوس كرام؟ هل فقه كلّ واحد ممّن حمل هذا العلم

 

أنّه يكتب عهدًا وعقدًا معه أن يتمثّل معانيه في حياته، وأن يتمسّك بالرّموز التي يتضمّنها؟ وأن لا يخونه بتصرّفاته وسلوكه الذي

 

يتنافى مع حرمته وكرامته وعزّته؟ هل هو مستعدّ أن يقدّم له الولاء في كلّ مناسبة غالية، تحمل القيم والمثل العليا؟ ولا يقتصر

 

على العرس الكروي والانتصار في الميادين الرّياضية؟ بل هل هو جاهز لتحمّل التّبعات التي تنتج عن أسباب التّعلّق به والدّفاع

 

عن الرّموز والمعاني التي يتضمّنها؟؟

 

يبدو أنّ ذلك غائب عن أذهان كثير من حاملي هذا العلم الرّمز، وغير موجود في قلوب كثير ممّن يتمسّح به، ومن يتلمَس ويتحسّس

 

قطعة القماش التي يلوّح بها في الأفق. فإذا كان العلم يحمل رموز الأصالة والمبادئ التي ينتمي إليها الشّعب الجزائري، صاحب

 

هذا العلم، من دين ولغة وتاريخ وعادات وتقاليد خاصّة. فأين تجسيد ذلك في الواقع، ومن الفرد الذي يسير ويتحرّك تحت جسم

 

العلم الذي يَحمِلُه ويقدّمه في طليعة كلّ حركة، تواكب الحدث الكروي؟؟ فما شاهدناه لا يعكس هذه المعاني، ولا ينسجم مع الرّوح

 

التي تتميّز بها العلم الرّمز:

 

1 – شعار الحدث – دائمًا – وشارة الانتصار فيه هي: (وَانْ تُو ثْرِي فِيفَا لاَلْجيرِي) تركيبة مكوّنة من مزيج لغات ثلاث : (الإنكليزية

 

 والإسبانية والفرنسية) ولا وجود لأيّة لفظة عربية فيها. والعلم رمز للّغة العربية.

 

2 – أغلب اللاّعبين المستجوبين كانوا يتحدّثون بلغة المستعمر الذي أهان هذا العلم. وكذا كثير من الجزائريّين. في الشّارع أو

 

القاعات، أو في النّدوات، وبعضُ المسؤولين في هذا الوطن العربي المسلم الأصيل.. فاللّغة العربية غريبة في دارها، ومقصيّة في

 

مناسبة تاريخية مهمّة، يمثّل فيها العلم الرّمزية والدّلالة..ومن تكلّف أو جاهد نفسه وغالبها، ينطقها مكسّرة، أو مشوّهة.. أويجعل

 

لها ضرّة من غيرها في تراكيبه، ويخصّ لغة المحتلّ بالأفضلية لتعبّر عن مكنون قلبه، وهو الذي حرمه من رؤية علم بلاده يرفرف

 

في بلده وعشّه أكثر من قرن. 

 

3 – الأشكال والتّقليعات والمظاهر التي ظهر بها كثير من شبابنا في مختلف المدن الجزائرية لا تمتّ إلى رموز العلم بصلة، ولا

 

يمكن أن نفهم منها إلاّ فقدان الوعي بها، وعدم فقه حقيقة ما يحمله هؤلاء وما يملكونه. فأين مظاهر الدّين فيها؟ وأين أثر الأصول

 

التي ينتمون إليها فيها؟ وأين التّقاليد التي ترتبط بالعلم في مشهد يفترض ويطلب أن يُبرز سمات الحضارة التي ينتمي إليها؟ هل

 

يمكن أن نقول: إنّ ما شاهدناه ويتكرّر كلّ مرّة هو خلل في التّفكير، أو خطل في التّدبير، أو خطأ في التّربية، أو خطر على مستقبل

 

شبابنا؟؟ هل يجوز لنا أن نقول: إنّ تصرّفهم هذا هو تدجيل وتضليل؟ أو تمويه وتشويه..مهما يكن التّفسير فإنّ رمزية العلم غابت

 

في مظاهر الاحتفال بالنّصر في الرّياضة ، ودلالاته فقدت في مشهد التّعبير عن الفرح والابتهاج.. انتصرنا في ميدان الكرة، وخبنا

 

أن نجعل نفوسنا حرّة، تصدر عن مبادئ ثابتة مستقرّة، هي أصولنا الحقيقية.

 

يا شبابنا الأعزّاء! رجالَ مستقبلنا! ومحطّ آمال وطننا الحبيب. إنّ علمنا يختصر ويختزل حقيقة كياننا، ويتضمّن مكنونات شخصيّتنا،

 

ويحتوي مشمولات حياتنا..فلا يمكن اختزاله في ركن صغير، وزاوية ضيّقة، لا يصوّر أمجادنا وقيمنا إلاّ في مظهر الانتصار في

 

الرّيّاضة، بل يجب أن يكون عنوانًا للانتصار في كلّ المجالات: الدّينية والعلمية والثّقافية والاجتماعية... وأن يكون حاضرًا معنا

 

في كلّ آن ومكان، في كلّ حالات الآلام والآمال، كما كان مع آبائنا، الذين ضحّوا من أجله وفي ظلّه وتحت رايته، في كلّ الأحوال،

 

فأرجعوا لنا كرامتنا وعزّتنا. هنا تبدو الوطنيّة الحقّة، ويكمن الاحتفاء بالعَلَمِ: العَلَمِ على الصّدق والإخلاص والوفاء بالرّموز التي

 

يحتويها العلمُ الذي نفتخر به ونقدّمه طليعة على انتصارنا في ميادين الشّرف. فلنتمثّل قول شاعر الجزائر الكبير محمد العيد آل

 

خليفة، الذي حيّا الجيش الجزائري وعلمه، الذي أتى باستقلال الوطن، والظّفر بالحرية، وطرد المحتلّ الغاصب:

 

ويا عَلَمي! تَحْيَا عَلى رَأْس أُمَّــــــــتِي

 

 

شِعارَشُموخٍ، تَسْحَبُ الذَّيْلَ بالفَخْــــــــــرِ

وَتاجَ لُجَيْنٍ، شَدَّهُ بِزُمُـــــــــــــــــــــــرُّدٍ

 

 

هِلالُ عَقيقٍ، زانَهُ كَوْكَــــــــــــــــبٌ دُرِّي

وَيا عَلَمِي! تَحْيَا بأَجْواءِ أُمَّـــــــــــــــتِي

 

 

وآفاقِها بدْرًا يَتيهُ علَى البَـــــــــــــــــــــدْرِ

تَسيرُ على أَضوائِهِ مسْتَدِلَّــــــــــــــــةً

 

 

علَى الهَدَفِ المَنْشُودِ بالأَنْجُمِ الزُّهْـــــــــرِ

ويا علَمِي! إنِّي أَرَى بِكَ عالمِـــــــــي

 

 

بَدَا، بعْدَمَا أَخْفَتْهُ عَنِّي يَدُ السِّتْـــــــــــــــــرِ

فأَنْتَ حيَاتِي، أَنْتَ روحِي وَراحَــــتِي

 

 

وَرَاحِي وَرَيْحانِي، وَيُسْرِيَ مِنْ عُسْـــــــــرِ

وَأنتَ صَدَى عِزِّي، وأَنْتَ نَدَى يَــــدِي

 

 

وَأَنْتَ هُدَى قَلْبِي، وَأنْتَ مَدَى عُمْــــــــــــري

 

نهنّئ أنفسنا بالفوز بتأشيرة العبور إلى نهائيات كأس العالم، ونرجو أن نَعْبُرَ أيضًا بأخلاقنا وتمسّكنا بالمبادئ التي يحملها عَلَمُنا،

 

والصّدورِ عنه إلى شاطئ الأمان؛ بإرشاده لنا إلى حسن العمل، فنفوز بخيري الدّنيا والأخرى. يا علمنا المفدّى ارتفع بنا قليلا

 

من تكريم الأقدام والكرة والجسوم، وأعِنّا وأرْشدنا إلى تكريم الرّؤوس والعقول والفهوم.. عشت يا علمنا معلمًا للاتّحاد، ومنبعًا

 

للرّشاد..

أضف تعليقا