كلية المنار للدراسات الإنسانية

عدوّنا الأبدي... ووسائل التّمكين والغلبة! (الجزء الثّاني)

د.محمد صالح ناصر

الأحد 06 جوان 2013

26

0

عدوّنا الأبدي... ووسائل التّمكين والغلبة! (الجزء الثّاني)

 

 

   إنّ تاريخ اليهود في كيدهم للإسلام والمسلمين تاريخ حافل بالمكر والخداع مليء بالدّم

 

والدّموع، لا ينتهي ليبدأ ولا يهادن لينقَضَّ.

 

ويمكننا أن نتبيّن ذلك في لمحة سريعة من خلال مراحل حاسمة من التّاريخ الإسلامي الـقـديم

 

والحديث، فنبدأ بدسائسهم الماكرة ضدّ نبيّنا الكريم وتألبهم عليه مع المنافقين والمشركين، تلك

 

الدّسائس الحاقدة التي كان من نتائجها إعلان الحرب عليهم في غزوات  شهيرة، وعلى رأسها

 

غزوة الأحزاب التي يستعيد المسلمون أحداثها اليوم في الخليج، ومن ذلك خطّتهم الدّنيئة لاغتيال أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب

 

ـ رضي الله عنه ـ ودسّهم لقتل عثمان وما انجرّ على ذلك من فتن عمياء شتّت المسلمين وأضعفت قوّتهم، ونتقدّم إلى التّاريخ لنقرأ

 

لهم صفحات دموية لتخريب الدّولة الإسلامية بالأندلس، ثمّ كيف تظاهروا بالإسلام ليصلوا إلى سدّة الحكم في الدّولة العثمانية لينقضّوا

 

على الخلافة الإسلامية. ثمّ دورهم في احتلال الجزائر وتخريبهم اقتصادنا الوطني، لنصل أخيرا إلى أمّ القضايا، وقلب البلايا فلسطين

 

الجريحة، تلك التي تتجرّع في كلّ يوم غصصها ونشيع في كلّ لحظة شهداءها. ويجيء بعد ذلك من يقول لنا من الحكّام والسّاسة إن

 

القضيّة ليست دينية وإنّما هي سياسية وإنّ صراعنا مع اليهود صراع من أجل المصالح المادّية لا بدافع من الثّوابت الرّوحية، وكأنّهم

 

أصيبوابفقدان الذّاكرة، أو عوقبوا بعمى الألوان فهم لا يفرّقون بين الحقّ والباطل، ولا يميّزون بين المقتول والقاتل.

 

وإلى هنا يحقّ لنا أن نتساءل، إذاكان ذلك هو الدّاء كما يصفه القرآن الكريم فأين الدّواء؟.

 

إنّ قرآننا الكريم يبيّن لنا عناصر القوّة والغلبة والتّمكين وهي تحوم على ثلاثة عناصر، الإيمان والعلم والعمل، هي عناصر تتكامل

 

وتتداخل، لا يمكن أخذ عنصر منها على منأى من الآخر، ولا يمكن الاستغناء باثنين دون ثالث، فلا يكتمل الإيمان بدون علم، ولا علم

 

بدون إيمان كما أنّه لا إيمان ولا علم بدون عمل ولعلّ هذا التّكامل الذي جاء في آيات كثيرة نجده متجسّدا في قوله تعالى: (إِنَّ الذِينَ

 

قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ

 

الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ).

 

إنّ الإيمان الثّابت تعبّر عنه الآية الكريمة بقول المؤمنين الصّادقين “رَبُّنَا اللَّهُ “، فالرّبوبية لله وحده لا شريك له ليست للمال ولا للجاه

 

ولا للمصالح، لا تخضع للظّروف والملابسات، ولا تتبدّل بتبدّل المواقع والتّحالفات، لأنّه يستحيل أن يلتقي الإيمان الحقيقي مع الإيمان

 

بالمصالح المادّيّة والأهواء الدّنيوية.

 

وعلمُ هؤلاء المؤمنين يتمثّل في إدراكهم هذه الحقيقة لأنه فرق كبير بين رؤية الشّيء وبين ادراكه، فالرّؤية تجسيد أمّا الادراك فهو

 

تجريد، فنحن نرى بالعين ولكننا لا ندرك إلا بالعقل، والعقل الكامل من وسائله العلم. والمؤمنون الصادقون لا يتوقّفون عند الإيمان

 

والعلم وإنّما يُضيفون إليهما العنصر الثالث وهو العمل، وذلك ما يفسّره قوله تعالى في الآية الكريمة:( ثُمَّ اسْتَقَامُوا) فالاستقامة

 

حكمة تجسّد كلّ تلك المعاني التي تجسّد التطبيق العملي للعقيدة الصّحيحة سلوكا وتصرّفا في علاقتنا بالله وفي تعاملنا مع الخلق،

 

وتستوعب كلّ المصطلحات التي نستخدمها اليوم من مثل الالتزام والضمير المهني والمحاسبة وغيرها. ومكانة العلم في الإسلام

 

لا تقلُّ أهميّة عن مكانة الإيمان، ومن ثمّ كانت أوّل آية تنزل على رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم هي كلمة "اقرأ" والعلم في

 

مفهوم الإسلام لا يحدّده تخصُّصٌ ولا توجُّه إنّه العلم الذي يقرّبنا من الله بخدمة خلقه ونفع عباده، أمّا العلم الذي يدمّر، العلم الذي

 

يضرّ أكثر ممّا ينفع فذلك خارج عن حدود ما يدعو إليه الإسلام.

 

ولهذه المكانة العظيمة للعلم ربط القرآن بين العلم والإيمان ربطا محكما فقال عن طريق الحصر والتحديد ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ

 

 الْعُلَمَآءُ ). ووضع الرّيادة والمسؤولية في أعناق العلماء فقال: ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ووضعهم في المراتب الأولى

 

من المصدّقين بالرّسالات السّماوية فقال: ( وَيَرَى الذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبـِّكَ هُوَ الْحَقَّ )، ورفع مكانتهم إلى درجة عليا

 

حيث يقول: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) وشرّفهم بما شرّف به الملائكة وهـم أطهر خلقه حيث يـقـول: (

 

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِماَم بِالْقِسْطِ ).

 

والعلم ليس وسيلة للإيمان الصّحيح فحسب وإنّما هو أيضا وسيلة من وسائل القوّة والتّمكين لعباده في هذه الأرض. وقد تجلّى ذلك قويا

 

عندما ربط سبحانه وتعالى القوّة بالعلم ولم يربطها بالعفرتة والخوارق؛ فإنّ الذي استطاع أن يحضر عرش بلقيس إلى سليمان ـ عليه

 

السّلام ـ قبل أن يرتدّ إليه طرفه إنّما هو ( الذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ ) وليس ( عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ ).

 

وأمر الله لنا بأخذ أسباب القوة من العلم قطعي صريح حيث يقول: ( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ

 

اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ )، ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن القوة الرمي ).

 

وإذا كان الرمي في وقته صلى الله عليه وسلم بالنبال والسهام وهي تُتَعلّم بالممارسة في الميدان، فأن الرمي في عصرنا عـصــر

 

التكنولوجيا والآليات المعقدة لا يكون إلا بالعلم، ولولا العلم والإيمان ما زلزل الحسين قلب إسرائيل بالرعب، بل ولما استطاع أن

 

يصمد الشعب الفلسطيني وحده أمام قوى الشر مجتمعة.

 

ونأتي إلى العنصر الثالث المكمّل للإيمان والعلم وهو العمل، وموقف القرآن الكريم من أهمية العمل وضرورته للمؤمنين دنيا وأخرى

 

موقف أكيد. إذ لا نجد آية في القرآن الكريم تحضّ على الإيمان وتدعو إليه إلا وتربطه بالعمل الصّالح، وقد تلازم الإيمان والعمل

 

الصّالح في كلّ الآيات الموجودة في القرآن الكريم، فهو شرط لا يكتمل الإيمان إلا به ( إِنَّ الذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ). وذلك

 

هو توجيه لرسله وتربيته لهم ( يَآ أَيـُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُواْ صَالِحًا ). وبمثله خاطب الرسل أقوامهم ( قُلْ يَا قَوْمِ اِعْمَلُواْ

 

عَلَىا مَكَانَتِكُمُ إِنِّي عَامِلٌ ).

 

وبناء عليه وعد الله عباده جميعا بأنه لن يضيع لهم أجرا ( أَنِّي لآَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ اَوُ انثَىا ). وبهذا التوجيه الرّباني

 

خاطب الرّسول صلى الله عليه وسلّم أمّته ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىا عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ

 

فَيُنَبِّـئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ).

 

وفي هذا النّداءُ إلى المسلمين لأنْ يعملوا دوما، أن يعموا من أجل الدّنيا كما وجب عليهم العمل من أجل الآخرة، لأن الله يأجر العامل

 

المؤمن في الدّارين معا. بل إنّنا نجد أحيانا أن الأجر الذي يدّخره الله للعامل من أجل نفع العباد أكبر وأوفر من الأجر المدّخر من أجل

 

العبادة.

 

لكن أيّ عمل هذا الذي يطلبه الله منّا. إنّه العمل المرتبط بالإيمان الهادف إلى رضى الله، إنّنا نسمع كثيرا ما يستشهد المسؤولون بهذه

 

الآية، وهم يـقـفون عادة عند قوله تعالى: ( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ )، والحال أن الآية الكريمة لا يـتـمّ معناها، ولا

 

يتجسّد مغزاها إلاّ بما يكمّلها من قوله تعالى: ( وَسَتُرَدُّونَ إِلَىا عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّـئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ )، وفي هـذا الرّابـط

 

المحكم ملمح لطيف إلى العمل الخالي من النّية الصّالحة والعقيدة الثّابتة خال من الأجر، فإنّ العمل الذي لا يُراد به وجه الله لا يعدو

 

كونه عملا دنيويا يمكن أن يقال عنه: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا )، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يبيّن لنا الحكم على العمل

 

في الدّنيا، ووضعُه في الدّرجة التي يستحقّها من الأجر إنّما هو من الله وحده الذي يعلم ما نُخفي وما نلعن وهو الذي سينبّؤنا غدا عندما

 

نردّ إليه إن كانت أعمالنا خالصة لوجهه الكريم أم كانت من أجل الرّياء والسّمعة. أهي من أجل الآخرة حقّا أم هي من أجل المصالح

 

الدّنيوية؛ فالعبرة إذا أوّلا وقبل كلّ شيء بالنّية الصّالحة، وذلك هو الميزان الدّقيق الذي توزن به الأعمال عند الله. وكذلك يجب أن

 

تكون أعمالُنا جليلُها وحقيرُها، بسيطُها وخطيرُها صدقة لإشباع بطن جائعة، أم استشهاد من أجل تحرير وطن، عبادة لوجه الله أم سعيا

 

من أجل قوت العيال، ولذلك وحده نكون جديرين بوعد اله لنا بالتّمكين في الأرض والاستخلاف فيها، وضمان العيش الكريم لنا نصرة

 

على الأعداء وأمنًا في الشّدّة والرّخاء، أَوَلم يقل: ( وَعَدَ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ

 

الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي ارْتَضَىا لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنم بَعْدِ خَوْفِهِمُو أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَالِــكَ

 

فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ).

 

وهكذا نرى أيّها الإخوة المؤمنون كيف ربط القرآن الكريم بين هذه العناصر الثّلاثة وهي الإيمان والعلم والعمل وجعلها قوام نهضة

 

أمّتنا الإسلامية، وطاقتَها المحرّكة للغلبة على أعدائها، ووسيلة سعادتها الدّنيوية والأخرويّة بحول الله.

 

فاللهم اجعل أعمالنا كلّها إرضاء لوجهك الكريم، واجعل ابتلاءك لنا ابتلاء إيمان وثبات وارزقنا الإيمان والعلم لنعمل صالحا من أجل

 

العباد والبلاد.

 

الجزائر في 1991/02/22

 

تطالعون أيضا:

 

عدوّنا الأبدي... ووسائل التّمكين والغلبة! ( الجزء الأوّل )

أضف تعليقا