كلية المنار للدراسات الإنسانية

عدوّنا الأبدي... ووسائل التّمكين والغلبة! (الجزء الأوّل)

د. محمّد بن صالح ناصر

الثلاثاء 06 جوان 2013

27

0

عدوّنا الأبدي... ووسائل التّمكين والغلبة! (الجزء الأوّل)

 

 

في تاريخ الأمم والجماعات والأفراد فترات حاسمة يهبها الله لنا لمحاسبة النّفس تدبّرا

 

واعتبارا وأوبة واستغفارا، وقد أرادها الله لنا ابتلاء واختبارا حتى يعلم الصّادق من الكاذب،

 

والثّابت من المتذبذب، وهذه هي الفتنة التي أشار إليها القرآن الكريم حيث يقول : ( أَلَمِّ

 

أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ )، فالافتتان هو الميزان الحقيقي الذي

 

يوزن به الإيمان، وما كان ذلك الافتتان متعلّقا بما نكره، بل إنّ فيما نحبّ أيضا فتنة واختبارا،

 

كما يقول: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً ).

 

وما من شكّ في أنّ أمّتنا الإسلامية تتعرّض في هذه الدّيار لامتحان عسير يتمثل في تكالب الأعداء عليها يهودا ونصارى ومنافقين،

 

مستخدمين كلّ ما يملكونه من وسائل الإبادة والتّدمير المادي والمعنوي، أسلحة عسكرية، وضغوطا نفسية، وآليات خفية وعلنيّة.

 

وهذا يمثّل في الواقع مرحلة من هذا الصّراع الطّويل بين الحضارة الإسلامية والقوى اليهودية والصّليبية، بين من يعبد الله ويكرّم

 

الإنسان، وبين من يعبد الهوى ويمجّد الشّيطان.

 

وقد واجهت الحضارة الإسلامية عبر مراحل تاريخية حاسمة كلّ أنواع الابتلاء، واجهت الاستكبار في مرحلة جهادها ضدّ المشركين

 

في مكّة، وواجهت المكر في فترة صراعها ضدّ المنافقين واليهود في المدينة، وواجهت الصّليبية الحاقدة في مراحل متعدّدة من عصور

 

الازدهار أو الانكسار.

 

وأحسب أن من أبسط الأمور التي يلجأ إليها الإنسان العاقل في مثل هذه الظّروف الصّعبة أن يقيّم ما مضى ليستعدّ لما يأتي، أن يبحث

 

عن أصل الدّاء ليجد بعد ذلك الدّواء، ولعلّ من أولى مظاهر التقييم أن نعود إلى أنفسنا وذواتنا في محاسبة دقيقة جريئة، لنستمدّ العبرة

 

من تاريخنا، ونستلهم التّذكرة من كتابنا، فقد حكم الله – وحكم الله لا يغيّر- بأنّه لن يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم.

 

ولعلّي لا أتعجّل إن قلت إنّ أصل الدّاء كامن في ضعفنا أوّلا، ثمّ في كيد عدوّنا ثانيا، ومن مظاهر ضعفنا الصّارخة أنّ الأمّة الإسلامية

 

حتّى السّاعة لا تعرف عدوّها الحقيقي رغم صراعها الطّويل معه. ولذا ترانا متشتّتين متفرّقين ونحن أمّة واحدة، بل وتجدنا متدابِرين

 

متثاقلين، كيدا لبعضنا وتحالفا مع أعدائنا.

 

إنّ العدوّ الحقيقي للمسلمين - مهما يكن التّحليل والتّعليل - إنّما هم اليهود ومن شايعهم من الصّليبيين، تلك حقيقة لا تقبل شكّا أو

 

نقاشا ما دمنا نؤمن بالقرآن كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإذا قلنا اليهود فإنّنا لا نعني بهم يهود إسرائيل وحسب

 

وإنمّا نعني أيضا يهود أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا فهم عنصر الإبادة والفساد في كلّ أنحاء البلاد.

 

ولنا أن نتساءل عن موقف القرآن الكريم وحكمه عليهم، موقفه منهم كأمّة في حدّ ذاتهم، وموقفه منهم في تحديد علاقتهم بالمسلمين

 

ومن ديانتهم.

 

إنّ القرآن الكريم لا يذكر اليهود إلاّ ويقرن أعمالهم بالكفر والخسران، ولا يبيّن صفاتهم إلاّ وينعتها بالقساوة والطّغيان، ولا يحدّد

 

مكانتهم عند الله إلاّ ويذكرها باللعنة والغضب وسوء المنقلب.

 

وفي هذا يقول: ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً )، ويقول: ( مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ

 

وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، ( لُعِنَ الذِينَ كَفَرُواْ مِنم بَنِي إِسْرَآءِيلَ عَلَىا لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيمَ ذَالِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ).

 

والقرآن الكريم مليء بمثل هذه الآيات الصّريحة، إنّ لعنة الله عليهم أبدية لا شكّ في ذلك ولا ريب. وحكم الله باللعنة على أيّ كان معناه

 

الخسران في الدّنيا والآخرة كما جاء في الآية الكريمة : ( اُوْلَئِكَ الذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَّلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ).

 

أمّا حكم الله في علاقتهم بالمسلمين وما ينبغي أن يكون المسلم منهم عقيدة وقولا وعملا فيتّضح في آيات كثيرة نذكر منها قوله:

 

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلِذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالذِينَ أَشْرَكُواْ ) وقوله: ( وَلَن تَرْضَىا عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّىا تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ )

 

وقوله محذّرا المسلمين من موالاتهم والرّكون إليهم: ( يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَـتَّخِذُواْ اليَهُودَ وَالنَّصَارىآ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ

 

وَمَنْ يَّتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ ).

 

غير أنّ السّؤال المطروح علينا اليوم بإلحاح هو هل آمن المسلمون بما جاء في كتابهم الكريم حقّا فطبّقوه في حياتهم العملية في أثناء

 

تعاملهم مع اليهود والنّصارى؟ وهل اعتبروا حقّا من تاريخ صراعهم مع أعدائهم؟

 

 

إنّ واقعنا الأليم للأسف الشديد يكذّب ذلك كلّه.

 

 

...يتبع

 

أضف تعليقا