كلية المنار للدراسات الإنسانية

خواطر عن التّغريب: واحسرتاه على بلدي الحبيب!!

د. محمّد بن قاسم ناصر بوحجّام

الأحد 11 نوفمبر 2012

775

0

خواطر عن التّغريب: واحسرتاه على بلدي الحبيب!!

    يوم الجمعة يوم إجازة، يعمد فيه أحدنا إلى استغلاله فيما يعينه على كسر رتابة الأيّام التي يقضيها كامل الأسبوع في النّشاط المتواصل أو العمل المستمرّ، الذي يأخذ منه قوّته وجهده وتفكيره، ويرهق جسمه وعقله. فيعمد إلى تغيير  نوع النّشاط اليومي الذي يقوم به. وتبديل الفضاء الذي يتحرّك فيه طول الأسبوع. حتّى يبعد العلل عن جسمه، ويطرد الملل عن نفسه، ويزيل الكلل عن عقله...فينتعش في روحه، ويتقوّى في جسمه،  ويتجدّد في فكره..من أجل ذلك يخرج من مجال التّعب والنّصب، إلى فضاء المرح والرّاحة.

إنّ يومَ الرّاحة للاسترخاء، وتغيير الأجواء، وإراحة الأعضاء، والتّخلّص من العناء. هو يوم لإراحة الأعصاب، والابتعاد عن التّشنّج والاكتئاب، ونسيان الهموم والأوصاب.

هذا الحقّ مطلب حيوي، ومنهج سويّ في سلوك الإنسان؛ إذ به يوفّر لنفسه طاقة ليواصل العمل والنّشاط؛ فيزيد في الإنتاج، ويتقدّم في التّنمية، ويطوّر في العمل، ويحسّن في الأداء... بعد الاستراحة القصيرة التي يأخذها وينتزعها من صخب الحياة وضوضائها، وأعبائها ورتابتها...يعيشها في ظلال الهدوء والمتعة والرّاحة و...

حلّ يوم الجمعة فخرجت مع أسرتي في نزهة وفسحة لنقوم بجولة في أحد المراكز التجارية الجديدة بالعاصمة، المعلم الذي منح الجزائر الغالية فرصة لتلتحق بركب التّمدّن والتّحضّر، والظّهور بمظهر يليق بمكانة العواصم الكبرى في العالم. نحن في الجزائر – والأسى والحسرة يملآن قلوبنا _ نقرّ أنّنا نفتقر إلى معالم تثبت أنّنا شعب متقدّم، وأنّ فضاءاتنا تملك مقوّمات الحضارة في الوقت الحاضر؛ لذا فقدت هيبتها عند أبنائها، ولم تَحْظَ بتقدير غيرها واحترامها.

جولتنا في المركز وما حوله أثارت وجدي، وحرّكت مشاعري، وهيّجت إحساسي، وملأت قلبي أسى وحسرة...على ما رأيت وسمعت، وما شاهدت وعاينت..

رأيت مساحة كبيرة فيها من المنتوجات، ما كان يخطر ببالي أنّ الجزائر تملك سوقًا كبيرة بهذا الحجم! وما كنت أدري أنّ في زوايا مراكزها هذا الكمّ الهائل من السّلع المتنوّعة! ولكن هالني وراعني أن أرى إنتاج بلدي مغيّبًا في هذا الفضاء؛ لأنّ أغلب البضائع المعروضة فيه مستوردة من شرق العالم وغربه..فالعالم حاضر في أرض الجزائر، إلاّ هي فمغيّبة في أرضها، إذن هي تعيش الغربة في ترابها!!

كيف يكون مستقبل اقتصاد الوطن؟! كيف يمكن الاستثمار في مقدّرات الوطن؟!كيف تكون أفكار أبناء الوطن؟! كيف نضمن الاستمرارية والوجود لهذا الوطن الكبير في خضمّ الصّراع على البقاء، الذي لا يكون إلاّ للأقوى في الإنتاج في كلّ الميادين؟! كيف..وكيف؟؟

شاهدت مفارقات ومتناقضات ومنغّصات ومقلقات ومزعجات في هذا المركز. الجزائر بلد عربي، لكنّ العربية غائبة تمامًا فيه، فيما يعرض، وفيما يرى، وفيما يسمع...عناوين المحلاّت والأجنحة مكتوبة بلغة من سلبنا حريّتنا، وسرق خيراتنا، وتطاول علينا، وأهاننا في الماضي، ويهيننا في الحاضر، ويريد أن يحطّم مستقبلنا. الإعلانات تقدّم بلسان من داس على كرامتنا، وأجهز على مقوّماتنا، وجعلنا مسلوبي الإرادة في التّحكّم في تدبير أمورنا، وتركنا نعيش التّذبذب في وضع رؤى واضحة لمستقبلنا، إلاّ ما يريد توجيهنا إليه. مثلا: إذا جئت لتعاين الأجهزة الإلكترونية، كالحواسيب وأجهزة الهاتف..لا تجد حروفها وأرقامها إلاّ صارخة في وجهك وصاخّة في مسمعك: إنّ الكتابة لا تكون إلاّ بالحروف اللاّتينية، لا مكان في حياتك للّغة العربية: كتابة ونطقًا وسماعًا..فكيف ينشأ ناشئ الفتيان فينا؟! أينشأ عربيًا مسلمًا وطنيًا؟ أم يكبر على ما تثمره لغة موليير وشكسبير؟؟

الأغاني التي تصكّ بها آذان الزّائرين والقادمين إلى المركز غربية الكلمات والألحان. فهل يراد للشّعب الجزائري أن يتحوّل إلى قبلة غير قبلة فكره ؟ هل عقمت الجزائر من الألحان الأصيلة والمتجذّرة في أعماق ثقافتة، فيوجّه إلى سماع هذه الأغاني؟

الأحاديث التي تدور بين من هو بداخل المركز: زوّارًا وعمّالاً خليط وهجين من لغات مختلفة، تغلب عليها وتطغى الكلماتُ الفرنسية، وتظهر من بينها باحتشام كلمات عربية، أحيانًا مكسّرة في حروفها، مهشّمة في بنيتها..هل اللّغة العربية غريبة عن هذا الوطن الحبيب؟! واحسرتاه على الأصالة والشّهامة والكرامة!! وَوَاأسفاه على العزّة والإباء والأنفة!!

من المسؤول عن هذا التّردّي والرّدّة والرّداءة؟! من هو الجاني على شخصيّة الجزائر، التي تأبّت على كلّ من حاول النّيل منها من غير أبنائها ونابِتَتِها؟ أتنالُ الذّلّ والهوان ممّن خرج من رَحمِها، فما رعاها ولا رَحِمها؟! إنّ ظلم ذوي القربى أشدّ غضاضة على النّفس من وقع الحسام المهنّد. وهل نقول: إنّ ما يحدث في السّوق هو من باب ما قاله الخليفة عمر بن عبد العزيز: يُجلَب إلى السّوق ما يَنْفُقُ فيها؟.! أي السّوق تستجيب لمطالب روّادها. فما دام المواطن الجزائري يريد هذه الأشياء الموجودة في السّوق فليزوّد بها؛ ليقضيَ مآربه، ويبلغ أهدافه، ويحقّق مصالحه.. فلا معنى للتّفكير خارج هذا المجال، ولو على حساب الأصالة والهويّة...واحسرتاه على هذا التّفكير وعلى هذا المعتقد والمنهج في الحياة!!

إنّ الجزائر الحبيبة ذات القدر الكبير في تاريخها وإمكاناتها الطّبيعية والبشرية، ظلّت متأخّرة في المدنية الحديثة، وفي توفير الجمالية لأبنيتها، والقيمة الحضارية لهياكلها. فالحدائق الجميلة المهيّأة التي توفّر المتعة والرّوعة والرّاحة للمواطنين غير متوفّرة. والمساحات الخضراء الموشّاة بالألوان الزّاهيّة التي تبعث الانشراح في قلوب المارّة غير موجودة. والمراكز التّجارية الكبيرة التي تتوفّر على مختلف حاجات النّاس المعاشية اليوميّة منعدمة...

إنّ المواطن الجزائري يعيش غربة حضارية، وعزلة عن الحياة المريحة؛ بسبب غياب هذه الهياكل والمظاهر عن حياته في بلده. بينما يراها متوفّرة في بقيّة البلدان في العالم. يحزنه ذلك ويؤلمه، ممّا يجعله لا يحتفي ولا يقدر بلده حقّ قدره. واحسرتاه على وطن جليل في قدره، عريق في تاريخه، كبير في إمكاناته، جميل في طبيعته...ولا يظهر ذلك في هياكله وأبنيته ومظاهر الحياة فيه!!

أنشئت في الجزائر بعض الهياكل الحضارية الضّخمة الجليلة، وبنيت بعض المعالم المدنيّة الجميلة، فاستبشرنا خيرًا، وهلّلنا وطربنا وانتشينا؛ لأنّنا حللنا عقدة عدم تمكّننا من مسايرة ركب التّطوّر الذي يطال العالم كلّه، حتّى الدّول التي تبدو صغيرة في حجمها ومكانتها. وفرحنا وسررنا؛ لأنّ التّخلّف والتأخّر اللّذين لازما حياتنا يكونان قد ذهبا إلى غير رجعة، ذَهَبَا مع من يريد أن تبقى الجزائر العزيزة في أسفل سافلين، كما ذهب الحمار بأمّ عمرو..فقلنا: لا رجع البؤس واليأس والتأخّر، ولا رجع من كرّسه في الجزائر.

 لكن سرعان ما أصبنا بانتكاسة وإحباط؛ إذ سقطت هذه الهياكل أرضًا واندحرت بأفعال من لا يرقبون في الله إلاّ ولا ذمّة. فعاثوا فيها فسادًا: تغريبًا لبنيانها، وتهريبًا لسلعها، ومساسًا بجمالها، وتعطيلاً لمرافقها..فعادت الأمور إلى نصابها، والنّفوس إلى طبائعها...فحرمنا من هذه المكاسب الحضارية الرّائعة في منافعها المادية والمعنوية... فقلت واحسرتاه على انعدام القيم والمقوّمات التي ترقى بنا إلى مصاف الدّول التي تحترم نفسها، وتحافظ على مكاسبها، وتطلب مزيدًا منها.

هذه الأشجان وهذه الأحزان ولّدتها في جَناني المظاهر التي مرَرْتُ عليها، أو مرّت بي في نزهتي التي قادتني إلى المركز التّجاري في يوم الرّاحة، وتهدئة الأعصاب، ونسيان الهموم، وطرد الغموم، وطرح الأتعاب. في يوم التّرويح عن النّفس، وتجديد النّشاط، والتّزوّد بالطّاقة النّفسية لمواصلة العمل الرّوتيني، والنّشاط الرّاتب كامل أيّام الأسبوع.

لا سامح الله الشّعور الحادّ، والحسّ المرهف، والضّمير اليقظ، والوجدان المتوتّر.. فكلّ واحد منه فعل في النّفس ما فعل، فأضاع عليّ فرصة الاستمتاع بيوم الرّاحة، وفوّت عليّ الإفادة من الجولة في يوم يختلف عن أيّام الأسبوع..عفوًا!! بل شكرًا لله أن وهب لي الفرصة لأريح نفسي، وأزيح عنها الضّغط النّفسي بإخراج ما في القلب من كمد ممّا يحدث لوطني الحبيب الجزائر من مؤامرات لسلخها من مقوّماتها، ومسخها إلى صورة مخالفة لحقيقتها، ونسخها إلى نموذج لا يخدم شخصيتها.. فواحسرتاه على ما يدور في قلب الجزائر !!وواشكراه على ما سكن قلبي من الإحساس الطّيّب نحو البلد، الذي منح لي المجال لأخفّف عمّا في نفسي من وجد وكمد.

أضف تعليقا