كلية المنار للدراسات الإنسانية

خلوة كخلوة الرّسول

حمزة بومعقل

الثلاثاء 03 مارس 2013

44

0

خلوة كخلوة الرّسول

 

 

 

إن سيدنا محمد بن عبد الله سيد الأولين، والآخرين، وسيد الباحثين عن الحقيقة، في ظني أن

 

حياته اختزال لحياة المُجِدِّين من البشر، أولئك الذين يسعون لتحقيق إنسانيتهم واغتنامها،

 

بعيداعن البهيمية والحيوانية التي يرتع فيها الكثير من أشباه البشر. فهو حين اختلى بنفسه

 

بعيدا عن قومه بكل عاداتهم السيئة إنما هو مثال لأولئك الصفوة من الناس ممن يختلون

 

بأنفسهم ويهجرون معظم الناس في طريقة تفكيرهم، فهم وإن لم تكن خلوتهم في غار إلا أن

 

الغار ليس هو الاختلاء الحقيقي، وإنما الاختلاء بالتفكير هو الحقيقة، لذلك لا نرى الصفوة

 

من الناس إلا وتفكيرهم ليس كتفكير سائر الناس؛ فهم دائمو التفكير، كما كان القدوة صلى الله عليه وآله وسلم، وهم يرون الأمور

 

على غير الطريقة التي يراها أكثر الناس؛ ينظر الناس إلى الأمور بسطحية، وينظرون إليها هم بعمق، فيرون فيها ما لا يراه الناس.

 

فإذا أرادوا أن يعرضوا نتاج تفكيرهم على عموم الناس لم يقبل أكثرهم منهم ذلك ورأوه فكرا نشازا، وإن كانوا في الحقيقة هم النشاز

 

عن الإنسانية المفكرة.

 

بعد معاناة من النبي صلى الله عليه وسلم وبحث عن الحقيقة طويل جدا دام السنوات الطوال جاءه المدد الرباني، بالوحي الذي فيه

 

الجواب عن الأسئلة المحيرة، والراحة للعقول المتعبة، والطمأنينة للأفئدة الباحثة عنها. وهكذا سائر الباحثين عن الحقيقة بكل

 

إخلاص لابد وأن يأتي اليوم الذي يوحي الله تعالى إليهم بما يُشعِرُهم باليقين والطمأنينة، ولكن هذا لا يكون إلا بعد صبر منهم

 

ومصابرة، وقد يطول الأمر، فليس كل الناس أهلا للوحي. واستعمالي للوحي هنا أمر مجازي، ولا أقصد به أن يكون الإنسان بعد

 

تفكير نبيا، كيف وقد ختمت النبوة بسيد البشر محمد بن عبد الله -فداه النفس والعقل والقلب، وإنما المقصود أن الله إذا رأى من

 

الإنسان البحث عن الحقيقة بإخلاص لفت نظره وانتباهه إلى جزئية من جزئيات الكون، كانت بمثابة كلمة ''اقرأ'' لمحمد صلى

 

الله عليه وسلم، تتغير بها حياته، وتفكيره، ويتحقق عنده الإيمان الذي يقتنع به اقتناعا كليا، وقد تكون هذه الجزئية آية في كتاب

 

الله، أو فكرة تخطر للإنسان، أو اكتشافا في الطبيعة، أو واقعة تحدث له ينظر إليها نظرة المتعمق الباحث عن الحقيقة فتكون له

 

مفتاح الحقيقة والراحة.

 

هذا تصوري عن الإنسان وهو سائر في طريق الاطمئنان والحقيقة، كل البشر، المسلمين منهم وغيرهم. وفي تصوري أن من

 

لم يتعب عقله في البحث عن الحقيقة فهو أقرب إلى البهيمية منه إلى الإنسان. وأن ما من إنسان إلاّ وتنطرح عنده الأسئلة التي

 

تتعب عقله، فمنهم من يتفاعل معها ومنهم من يهملها، وما أكثر المهملين.

 

أضف تعليقا