كلية المنار للدراسات الإنسانية

القيادة التربوية وأدوارها المأمولة في المدرسة: الجزء الأوّل

فتيحة فوطية

السبت 03 مارس 2013

48

0

القيادة التربوية وأدوارها المأمولة في المدرسة: الجزء الأوّل

 

 

مقدمة:

 

 

تعتبر المؤسسات التربوية أداة حيوية وفاعلة في المجتمعات الإنسانية، وذلك لأن

 

التربية تشكل المدخل إلى التنمية الشاملة، وهي الحصن المنيع الذي تلجأ إليه المجتمعات

 

إذا تعرضت للمصاعب والمحن، وإذا كانت المؤسسات التربوية الأداة الحيوية في المجتمع

 

فإن القيادة التربوية هي المفتاح، ونقطة البدء في عملية إصلاح التعليم وتطويره، ليواكب

 

حاجات المجتمع وتطلعاته.

 

وإذا كانت التربية في مفهومها المعاصر عملية للتغيير والتطوير ولها من الآثار والنتائج

 

الإيجابية ما يجعلها تحتل المكان الأول بين وسائط الإصلاح والتقدم في أي دولة من الدول، فإن نتائج هذه العملية منوطة إلى

 

حد كبير بإدارتها، التي تمثل القيادة المسؤولة عن سير العملية التربوية وتوجيهها على أساس أن النجاح في أي عمل أو

 

تنظيم يعتمد على الطريقة أو الأسلوب المعمول به في  تلك الأعمال أو التنظيمات، وقدرة تلك التنظيمات على توجيه الأعمال

 

والأنشطة نحو الأهداف المرغوب فيها (اليونسكو، 1996).

 

ونظراً للأهمية التي يحتلها التطوير والتغيير والتجديد في المؤسسات التنظيمية وما يتطلبه من تغيير في المهام والمسؤوليات

 

لتتناسب والاحتياجات الجديدة، والذي أصبح هدفاً تسعى أي مؤسسة إلى تحقيقه خاصة في ظل التحديات التي تفرضها التغيرات

 

العالمية في مختلف البيئات الاجتماعية والثقافية.

 

فمع بداية الألفية الثالثة، بدأت كثير من الأمم الجادة مراجعة حياتها حيث قامت بوقفة مع ذاتها، تراجع أعمالها وتقوم

 

 أداءها، وتحلل نقاط القوة والضعف فيها، وتحدد فرص التطوير وخياراته، لتعمل على تعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات،

 

وهذا شأن الأمم الحية التي تريد أن يكون لها مكانٌ على خارطة الحضارة الإنسانية. ''و هذا ما يفسر اهتمام كثير من دول

 

العالم بمراجعة أنظمتها التربوية والتعليمية مراجعة جذرية بشكل مستمر للاطمئنان على قدراتها على إعداد الأجيال لمجتمع

 

القرن الحادي والعشرين'' (الحر، 2001).

 

 

سوف تتناول هذه المقالة في جزئيها[1] بإذن الله عدة موضوعات تصب جميعها في الأدوار المأمولة من القيادات التربوية

 

الميدانية وهي كالتالي:

 

-       مفهوم القيادة و منطلقاتها

 

-       التحول في الأدوار القيادية والحاجة إليه

 

-       مدرسة المستقبل النموذج المؤسساتي/ التربوي المأمول.

 

-       ماهيتها وأهدافها، مناهجها.

 

-       أدوار القيادة التربوية الميدانية

 

-       التوصيات والمقترحات.

 

-       المراجع

 

 

 مفهوم القيادة و منطلقاتها:

 

هناك اعتقاد شائع بين الناس بأن القائد هو إنسان له مركز في التسلسل الهرمي للسلطة، أو أنه إنسان يمتلك جاذبية

 

شخصية يتحلق الناس من حوله ويعملون بتوجيهاته. وقد تعددت وجهات النظر في محاولات تعريف القيادة و تحديد مفهومها.

 

ويستخلص (النمر، 2001) تعريفاً للقيادة بأنها القدرة على التأثير في سلوك أفراد الجماعة وتنسيق جهودهم وتوجيههم

 

لبلوغ الغايات المنشودة. أي أن القيادة تتضمن ثلاثة عناصر أساسية هي:

 

- وجود مجموعة من الأفراد يعملون في تنظيم معين.

 

- قائد من أفراد الجماعة قادر على التأثير في سلوكهم وتوجيههم.

 

- هدف مشترك تسعى الجماعة إلى تحقيقه.

 

  فالقيادة تتجاوز كونها سمات أو صفات يمتلكها المدير إلى كونها عملية تفاعل بين ثلاثة عناصر: القائد والمرؤوس

 

والمواقف والتي تمارس فيها القيادة.(عابدين، 2001).

 

  يتضح مما سبق، أن القائد لا يمكن أن يعمل بمعزل عن الآخرين، لذا فإن من الشروط الأساسية لنجاحه في القيادة، تفهم

 

قدرات من يعملون معه واستعداداتهم والتجاوب مع حاجاتهم وآمالهم وطموحاتهم؛لكي يستطيع أن يؤثر فيهم التأثير الفاعل،

 

الذي يجعلهم على قناعة وثقة عالية في قيادته لهم، والعمل القيادي يسير في اتجاهين متعاكسين ولكنهما ملتقيان، فالقائد

 

يؤثر في أتباعه ويتأثر بهم، وبالتالي يؤدي ذلك إلى تعديل في سلوك الطرفين وتصرفاتهم.

 

  إن الحديث عن القيادة يقودنا إلى الحديث عن الإدارة "فالإدارة والقيادة عمليتان متلازمتان، ففي كل موقف هناك بُعد

 

إداري يتعلق بمراعاة أنظمة وتعليمات، ''ويفترض في كل موقف أيضا أن تكون هناك إمكانية قيادة تسند إلى عملية تفاعل

 

وتفكير، وإلى التطلع إلى إدارة ذات توجه إبداعي مبادر''. (الحر، 2002) ويمكن الوقوف على الفرق بين القائد والمدير

 

من خلال الجدول التالي*: (الأغبري، 2000)

 

 

 

القائد

 

المدير

 

يبتكر

 

يدير       

 

يطوّر

 

يحافظ

 

يركز على الأشخاص

 

          يركز على الهيكل التنظيمي                      

 

يعتمد على سلطة الثقة

 

يعتمد على السيطرة

 

يجدد

 

يقلد

 

لديه رؤية بعيدة المدى

 

لديه رؤية قصيرة المدى

 

تخطيط طويل المدى

 

تخطيط قصير المدى

 

يتحدى الوضع الراهن

 

يتقبل الوضع الراهن

 

 

  عليه يمكن استخلاص الأدوار المطلوبة من كليهما: إن الإدارة معنية بالحاضر، أما القيادة فتعني بالتغيير، فرجل الإدارة

 

يحافظ على الوضع الراهن وليس له دور في تغييره، لأنه يستخدم الوسائل والأساليب القائمة بالفعل من أجل تحقيق الأهداف

 

أو الأغراض المقررة سلفاً، ومن هنا يُنظر إلى رجل الإدارة كعنصر الاستقرار، أما القائد فهو داعية للتغيير ومطلوب منه أن

 

يحدث التغييرات في البناء والتنظيم، وبالتالي يمكن القول أن هناك اختلافاً بين الأدوار لكل منهما.

 

هذا و تشير فاطمة عيد إلى خمس مجموعات من القدرات والمهارات التي يتطلبها عمل القائد:

 

القدرات والمهارات الإنسانية: وتتمثل في قدرة القائد على فهم نفسه وفهم الآخرين والقدرة على قيادة الآخرين وتحفيزهم

 

وفهم الجماعات والتعامل معها.

 

القدرات والمهارات المتعلقة باستخدام المعلومات: وهي التي تتعلق بتلقي المعلومات ورصدها و تخزينها واسترجاعها

 

وتوظيفها لخدمة أهداف التنظيم.

 

القدرات والمهارات المرتبطة باتخاذ القرارات: التي تجعل عملية اتخاذ القرارات أكثر كفاءة، وأهمها القدرة على اتخاذ قرارات

 

فعالة، والقدرة على حل المشكلات التي تواجه التنظيم، والقدرة على إدارة الوقت.

 

القدرات والمهارات الفنية: وتتعلق بالنواحي التي تساعد المدير على فهم العمل وتسيير أموره في مجال تخصصي أو أكثر.

 

القدرات والمهارات الفكرية: تتعلق بالقدرات التي تمكن القائد من رؤية الصور الكلية للموضوع، ومن أهمها القدرة على

 

فهم ما يجري في التنظيم من أحداث، والقدرة على رد الأمور إلى أسبابها الحقيقية، والقدرة على إدراك النتائج لقرار أو

 

حدث. (عيد، 2002).

 

وعلى ضوء ما تقدم، يمكن القول بأن القيادة هي:

 

1-     دور جماعي إذ لا يمكن لأي إنسان أن يكون قائداً بمفرده، وإنما يمارس القيادة من خلال مشاركة فعالة في جماعة

 

 ما ضمن إطار موقف معين.

 

2-   تعتمد على تكرار التفاعل، أي أن القيادة في جماعة ما تتطلب حداً أدنى من تلاقي القيم والاهتمامات يسمح باستمرارية

 

التفاعل.

 

3-   لا ترتبط بالضرورة بالمركز، فهي منتشرة وموزعة عبر المؤسسة فالمعلم قائد والمدير قائد والمستشار التربوي قائد.

 

4-   أن معايير الجماعة ومشاعرها تحدد القائد كما تحدد درجة اعتبارهم لسلوكاته.

 

فالقيادة حمل ليس بالسهل ولا باليسير، فلا يتحملها أو ينهض بها أو يؤديها حقها إلا من كان أهلاً لها..

 

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟

 

قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: "يا أباذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها

 

بحقها، وأدى الذي عليه فيها ".

 

    فإذا عرجنا على القيادة الميدانية نرى أنها تتمثل في الأفراد الذين يتحملون مسؤولية عملية التعليم والتعلم، وهم الأفراد

 

المرتبطون بالميدان التربوي، ولهم تأثير بالغ في تحقيق الأهداف التربوية بشكل مباشر.. وهم: المعلم، المدير، المستشار

 

 التربوي.. كل في موقعه ومن منطلق مهامهم جميعاً قواد ميدانيون مرابطون.. يتأثرون بالتحديات، ويحدثون عملية التغيير

 

والتطوير المطلوبة، وأصبحت لهم أدوار جديدة على ضوء ما طرأ على التربية من تغيير وتطوير، وهذا ما سنتعرف عليه في

 

العناصر اللاحقة.

 

 

التحول في الأدوار القيادية والحاجة إليه :

 

 

لابد أن ندرك قبل كل شيء أن ثمة علاقة ما بين الثورات العلمية الكبرى Scientific Revolution والثورات التعليمية

 

Educational Revolution  (محمود، 2002).

 

ونسأل بداية عن معنى كل من الثورة العلمية والثورة التعليمية (التربوية)؟ الثورة العلمية في حقيقتها نوع من "الاستنارة

 

العقلية" التي تمثل نقلة نوعية للبشرية من مرحلة إلى أخرى أرقى منها. لكن ما معيار الرقي المقصود هنا؟ إنه تحقيق

 

للمزيد من قوة العقل على حساب انحسار لقوة الخرافة. وتكمن قوة العقل في المعرفة (Knowledge) وبالتالي في

 

اكتساب القدرة على الفعل.

 

أما الثورات التعليمية فهي توفر للثورات العلمية المناخ الملائم لقبولها اجتماعياً وثقافياً، وتعطي لها ما يسمى بقوة الإقناع

 

Power Persuasion، والمرهون بمدى توافر فرص التعليم وانتشاره في المجتمع، كذلك بعدالة توزيع تلك الفرص

 

على المستويات الاجتماعية المختلفة.

 

و يذكر محمد جواد رضا أن ثَمّ تلازم الثورتين (العلمية، التربوية) مرهون بتوافر شرط المشاركة المجتمعية في العملية

 

التربوية المكونة من معارف ومهارات وخبرات وقيم، مما يعني رفع نصيب الفرد من قوة المعرفة وقوة الإقناع. (رضا، 2000).

 

ويمكن توضيح الحقائق أعلاه بالآتي:

 

إن نظرية دوران الأرض بوصفها ثورة علمية استغرق إعلانها وقبولها اجتماعياً ألفي سنة. ذلك لأن الثورة العلمية تحدث تغيرا

 

في الواقع القائم بحيث يكون من شأنه تقبل حدوث الواقع القادم (المستقبل) بإذن الله، ومن ثم فإنها تحتاج إلى ثورة تعليمية تمهد

 

الواقع لقبولها، لذلك فالثورة العلمية (نظرية دوران الأرض) تلازم قبولها مع ثورة تعليمية تمثلت في ظهور المدرسة كمكان لنقل

 

المعرفة ونشرها.

 

إن الثورات العلمية والتعليمية تحتاج إلى كفاءات ومستويات من الجودة ولا زلنا نفتقد الكثير منها في نظمنا التعليمية، لذلك فإن

 

أخطر ما يواجهنا مستقبلاً هو خطر الاستبعاد والتهميش. والمشكلة التي نعرضها  هي أن المستقبل قادم حتما لكن الفارق هام بين

 

أن يأتي المستقبل كما نريد أو يأتي من صنع غيرنا ودون إرادتنا.. فإذا كنا نريد تحقيق مستقبلنا كما نريد، فإن ذلك رهن بتوافر

 

الشروط الضرورية العلمية والمنطقية اللازمة لبناء تصور مستقبلي يحقق تلازماً فعالاً وسريعاً للثورتين العلمية والتعليمية

 

في مجتمعنا. وأن يكون للمدرسة الدور القيادي في تحقيق هذا التغيير المطلوب وإنجازه والتلازم الضروري للثورتين، بوصفه

 

شرطاً لازما لمدرسة المستقبل ولمستقبل المدرسة التي ستقود المجتمع نحو المستقبل.

 

مما تقدم يمكن القول بأننا نعيش فترة ثورات علمية والمتمثلة في تحديات معينة تتطلب منا ثورات تعليمية تتمثل في أمور عدة،

 

أكثرها احتياجاً هي الدور القيادي للمدرسة وما تحتويه من: بيئات تعليمية، مناهج، أنشطة...الخ يصاحب ذلك تحول في الأدوار

 

القيادية لكل من: المستشار التربوي، المدير، المعلم.

 

ويمكن استعراض هذه التحديات على النحو التالي :

 

أولاً: تحديات خارجية:

 

 1-1 العولمة (Golbalization) ساد هذا المفهوم في التسعينات من القرن الماضي:

 

وقد جاءت في لسان العرب من"العالم" ويتصل من فعل "عُولم" على صيغة "فُعل" أما في الاصطلاح "فالعولمة" تعني

 

جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة (خريسان، 2000م).

 

والمقالة الراهنة تنظر إلى العولمة بأنها عملية تهدف إلى سيطرة الفكر والثقافة الأقوى على الثقافات الأخرى بغرض

 

التعاون والتواصل وإزالة الحدود والمسافات بين الدول والشعوب ودمجها فيما يسمى بالقرية العالمية أو الكوكبية.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن- هل سنغلق على أنفسنا الباب في وجه أية ثقافات؟! أم سنحاول التكيف معها؟ أم نستسلم

 

لها ونتبعها بشكل مطلق؟.

 

2-1 التكنولوجيا والتقنية (Technology):

 

إن عالم اليوم وعالم الغد هو عالم التكنولوجيا المتقدمة، وأصبحت هذه التكنولوجيا الدليل على امتلاك مقومات القوة سواء

 

في السلم أو في الحرب ودعم هيمنة القوة على الضعيف في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

 

إن عالم التكنولوجيا الذي نعيشه الآن عالم سريع التغير والتطور وهو ليس بمعزل عن ثقافة المجتمعات التي تستورده ، فعلى

 

المجتمعات أن تستفيد ما أمكن من الثورة التكنولوجية والتقنية في مؤسساتها التربوية والتعليمية.

 

3-1 وسائل الإعلام (Mass Media):

 

وهي تمثل الضلع الثالث لمثلث التحديات وتتمثل في الصحافة، الإذاعة، التلفزيون، الأنترنت وغيرها، فهي وسائل مختلفة

 

وسريعة لنشر وتلقي الأمور المختلفة، حيث وفرت هذه الوسائل سرعة الاتصال والتواصل بين الشعوب والمؤسسات والأفراد.

 

ثانياً: التحديات الداخلية:

 

 2-1 العملة الأجنبية:

 

إن التغير السياسي والاقتصادي في المنطقة العربية صاحبه تغيرٌ في الأوضاع الاجتماعية، وقد نتج عن هذا التغير مجموعة

 

من التحولات، مثل الاعتماد على العملة الأجنبية والتغيرات التي أصابت الأسرة العربية نتيجة عمل المرأة، وترك مهمة

 

التربية وتوجيه الأبناء إلى المربيات (منصور، 2000).

 

إن هذه التغيرات الاجتماعية لابد أن تترك بصماتها على الناشئة والتي قد تؤدي إلى إحداث اتجاهات سلبية تتسم بالإهمال

 

 واللامبالاة، وعدم التعامل معهم إلا بالعنف والسيطرة، مما يؤدي إلى فقد التوازن النفسي، وقد يتعرض في نهاية الأمر إلى

 

عملية محو ثقافي، وهي عملية تحدث نتيجة تخلص الطفل من ثقافته ليحل محلها ثقافة المربية.

 

2-2 ضعف مخرجات نظام التعليم:

 

والذي يتعلق بفقر محتوى برنامج التكوين التعليمي وقصوره على الجوانب المعرفية، وتخريج أفواج ودفعات متلاحقة من أنصاف

 

المتعلمين، ممن لا تستفيد من طاقاتهم المتواضعة مؤسسات الإنتاج، وذلك نتيجة لضعف المدخلات والمتمثل في سوء التخطيط،

 

تمحور المركزية في النظام التعليمي، وتواضع إعداد المعلم.

 

  ومع انفتاح نظامنا التعليمي على التجارب العالمية - وإن كان هو خطوة إيجابية للرقي بالعملية التعليمية إلى مستوى الطموح -

 

إلا أن هذه التجارب والمشاريع ينقصها عدة أمور:

 

-  القصور في استمرارية مثل هذه التجارب وبطء انتشارها.

 

-  عدم قبول فكرة التغيير والتطوير واعتبارها عند البعض مضيعة للوقت.

 

-  قصور عملية التقويم وعدم موضوعيتها في كثير من الأحيان.

 

-  لم يوضع لمرحلة التوعية لهذه المشاريع أهمية وربما التدريب عليها في كثير من الأحيان.

 

-  قد ترتبط كثير من المشاريع بأفراد وشخصيات معينة لذلك يكون العمل بها بعيداً عن العمل المؤسسي المبني على خطط

 

طويلة المدى.

 

3-2 الانفجار السكاني:

 

 نتيجة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي شهدتها المجتمعات العربية في العقود الأخيرة تزايدت أعداد السكان

 

بشكل ملحوظ، فمن المتوقع أن يصل تعداد سكان الدول العربية في عام (2025) إلى ما يقرب من (400) مليون نسمة نصفهم

 

تقريباً أقل من (20) عاماً. وستشكل هذه الزيادة الهائلة في السكان ضغوطاً على جميع الموارد والبنيات الاقتصادية والاجتماعية

 

والتعليمية، وسيكون من الصعب على الأنظمة التعليمية تلبية الطلب المتزايد على التعليم (المعرفة، 2000)، إن التزايد في أعداد

 

السكان سيؤثر حتماً على كلفة التعليم ونوعيته.

 

إن التحديات المطروحة أعلاه هي تحديات تقودنا لطرح السؤال التالي:

 

هل المدرسة قادرة على مواجهة أو استثمار هذه التحديات؟

 

   إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في الدور الإيجابي الذي تملكه المدرسة في عملية التغيير وذلك لكونها:

 

1- تعطي الفرد القدرة على معرفة الواقع من خلال فهم العلاقات بين عناصره، والفهم هو المقدمة الضرورية لتغيير الواقع عن طريق

 

معرفة العلاقات القائمة والتي تساعد الإنسان على حل مشكلاته مع البيئة... أو الكشف عن علاقات جديدة والمتمثلة بالإبداع والتجديد.

 

2- تقوم المدرسة بالتمهيد للقبول الاجتماعي للتغيير الحادث نتيجة كل من فعلي التعرف على العلاقات القائمة، والكشف عن العلاقات

 

الجديدة التي تضيف للواقع ما لم يكن موجوداً من قبل، إذن للمدرسة دور قيادي في عملية التغيير الاجتماعي حدوثاً وقبولاً،

 

وبالتالي فإنها ذات دور أساسي في صنع المستقبل بإذن الله.

 

ومما يؤكد هذا التوجه قول (عابد الجابري) "أن التربية في الوطن العربي كما في جميع البلدان تمارس دوراً مهما في التحولات

 

المجتمعية التي يشهدها عالم اليوم" (الجابري، 1996).

 

 

بدايات مدرسة المستقبل:

 

شهد عام 2000 طرحاً محدداً لقضية مدرسة المستقبل بدأ بالمؤتمر الثاني لوزراء التربية والتعليم والمعارف العرب بدمشق

 

في جويلية 2000، والذي اهتم بعنوان واحد هو "مدرسة المستقبل" وجاء إطار الدراسات المرجعية التي اعدت لهذا المؤتمر

 

أكثر تحديداً ودقة حيث تناول بالبحث قضايا "منهج مدرسة المستقبل"، تأثير تكنولوجيا المعلومات على التعليم، والتقويم والمبنى

 

والتمويل وغيرها "ثم توج هذا الأمر بإصدار ما عرف بإعلان دمشق حول مدرسة المستقبل، وهي تعد وثيقة رسمية تؤسس للفكر

 

المستقبلي حول الدراسة العربية ودورها في القرن الجديد، وتشكل مرتكزاً للكثير من الندوات والمؤتمرات العلمية الأخرى على

 

مستويات محلية وعربية الأمر الذي يجعلنا غير غائبين عن هذا المجال من الفكر التربوي.

 

إن مدرسة المستقبل هي قاطرة المستقبل وهي مؤسسة التغيير والتطوير، فإذا وضعنا في هذه القاطرة ما تحتاجه من الوقود

 

الملائم لطبيعة الرحلة (مسافة وزمناً ومكاناً). يستطيع أن نقول إن المستقبل الذي نريده يمكن أن نصنعه بإرادة الله.

 

ماهية مدرسة المستقبل:

 

يعرّف مكتب التربية العربي مدرسة المستقبل بأنها المدرسة التي تعمل على إعداد المتعلمين لحياة عملية ناجحة مع تركيزها

 

على المهارات الحياتية التي تلبي احتياجات المستقبل بما يخدم الجانب القيمي لدى المتعلمين (مكتب التربية العربي لدول

 

الخليج 2000).

 

بينما عرفها العبد الكريم بأنها المدرسة المتطورة التي يسعى التربويون لإيجادها لتلبي حاجات المتعلمين المختلفة ولتزويدهم

 

بالأسس المناسبة لمواصلة دراستهم الجامعية أو ما في مستواها، وتزودهم بما يؤهلهم للعيش بفاعلية وبتكيف في مجتمعهم

 

الحديث (العبد الكريم ، 2003). و اعتقد أن العبد الكريم تجاوز النظرة التحليلية الفلسفية ودخل مباشرة في التعريف الإجرائي

 

وهو تعريفٌ يبدو أكثر واقعية ووضوحا.

 

هذا وقد وجد التربويون من خلال ما ورد في الأدب التربوي ثلاث نواحٍ في النظرة إلى مدرسة المستقبل:

 

الأول: النظرة الجزئية: حيث ينظر إلى مدرسة المستقبل من خلال عنصر واحد، بحيث يظن أن تطوير هذا العنصر كفيل بنقل

 

المدرسة إلى أن تكون صالحة للمستقبل.

 

الثاني: النظرية التقنية: وهي التي تفترض وتركز على الجانب التقني المعلوماتي في التدريس، وتفترض أن ثقافة المعلومات

 

تمتلك عصا سحرية لنقل المدارس من مدارس بدائية تقليدية إلى مدارس المستقبل، مدارس القرن الواحد والعشرين، مدارس

 

الألفية الجديدة، المدارس الإلكترونية، المدرسة الذكية.

 

الثالث: النظرة الشمولية: وهي النظرة التي تفترض أن تطوير المدارس عملية معقدة يشترك فيها عناصر عديدة وتتأثر بعوامل

 

كثيرة، ويرى أصحاب هذه النظرة أن تطوير المدرسة لصنع ما نسميه مدرسة المستقبل يحتاج إلى جهد متعدد الأبعاد. وترى هذه

 

النظرة أننا لا نتعامل مع مدرسة خيالية نختلقها في أذهاننا، بل نتعامل مع مدرسة على أرض الواقع بكل عوائقه وبكل نواقصه

 

وبإمكاناته المتواضعة، مدرسة مرتبطة تطوراً وتأخراً بمنظومة المجتمع ومؤسساته الأخرى، واعتقد أن هذه النظرة هي النظرة

 

الواقعية التي تلامس مشاعر الكثيرين منّا وعقولهم...

 

   هذا وقد أورد العبد الكريم مقارنة بين مدرسة المستقبل والمدرسة التقليدية من خلال الجدول الآتي: * العبد الكريم، 2002 .

 

 

 

مدرسة المستقبل

 

المدرسة التقليدية

 

- كل التلاميذ لديهم القدرة على التحصيل العالي، وليس    

 

التلاميذ سريعي التعلم والجيدين.

 

 

  - فقط القليل من التلاميذ الأذكياء الذين يكون تحصيلهم   

 

عالياً.

 

 

- ليس متوقعاً من كل تلميذ أن يفهم كل شيء من أول

 

مرة.

 

- السرعة مهمة، الأسرع هو الأفضل (الأذكى)

 

Faster is Smarter

 

- التصميم المستمر هو المحدد الأساسي في النجاح

 

- الذكاء الفطري هو المحدد الأساسي للنجاح

 

- الأخطاء تساعد التلميذ على التعليم

 

- الأخطاء علامة الضعف

 

- يعمل التلاميذ الجيدون بشكل جماعي

 

- التنافس أساس لزيادة تحصيل التلاميذ

 

أهداف مدرسة المستقبل:

 

تتباين الدراسات في تحديد أهداف مدرسة المستقبل.. إلا أن هذه المقالة ستركز على أهم هذه الأهداف والتي تكاد تتفق عليها

 

معظم الدراسات وهي:

 

-       تحسين المخرجات التعليمية من خلال تجويد العمليات التعليمية.

 

-       التطلع إلى المستقبل والقدرة على التعامل مع متغيراته مع المحافظة على ثوابت الأمة وقيمها.

 

-       بناء الفرد بناء شاملاً للجوانب العقلية الوجدانية و المهارية والسلوكية، وإعداد المتعلمين لمواجهة التحديات الصعبة

 

والمتغيرات المتلاحقة.

 

-       توظيف التقنية الحديثة لخدمة العمل التربوي.

 

وأضافت المنظمة العربية للتربية أهدافا أخرى لمدرسة المستقبل منها:

 

-      إكساب المتعلم مهارات التعلم الذاتي، والبحث والحصول على المعرفة والتعامل معها و استخدامها.

 

-      إكساب الفرد أنماط التفكير، وبخاصة التفكير الناقد، التفكير الإبداعي العلمي، والتفكير الموضوعي.

 

-      تحقيق ودعم المشاركة والمسؤولية المجتمعية، في تخطيط التعليم وإدارته، بما يضمن مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية

 

(المنظمة العربية للتربية، 1980).

 

إن الأهداف التي تنشدها مدارس المستقبل تتطلب منهجاً ذا مواصفات عالية، وقد أبرزت الدراسات والأبحاث التربوية ما يلي:

 

-       التحول من التعلم المتمركز حول المنهج إلى التعلم المتمركز حول الطالب (العبد الكريم، 2000).

 

-       الاهتمام بالجانب العملي والتطبيقي والتخصصات المهنية والرؤية المستقبلية لمتطلبات التنمية (إدارة تعليم عسير، 2000).

 

-       إتباع أسلوب اللامركزية في وضع المناهج لمراعاة الاختلافات البيئية.

 

-       أن تولي المناهج اهتماماً كبيراً بالأنشطة اللاصفية مثل زيارات النوادي العلمية والمتاحف ومؤسسات البحث العلمي

 

والمراكز الإنتاجية (أبو نبعة حسين راتب، 2000).

 

-       التركيز على منظومة القيم والأخلاق لمواجهة الأخطار الناجمة عن التطور العلمي والتقني (المنظمة العربية للتربية،

 

1999).

 

-       مساعدة الطالب على إتقان أكثر من طريقة للتعلم كالتعليم التعاوني و الابتكاري و الاستكشافي (مصطفى فهيم، 2005).

 

-       الاهتمام باللغات الحية الأجنبية باعتبارها أداة للتواصل مع الآخرين (الشوملي، 2001).

 

-       اعتماد تقنيات التعليم الحديثة كأساس في التعليم ليس كوسيط، وتوفيرها بأشكالها المختلفة للوصول إلى المعلومات

 

بأسهل الطرق وأقلها تكلفة.

 

بطبيعة الحال وعلى ضوء ما ورد في مناهج مدارس المستقبل والأهداف التي تنشدها فإن الأمر يحتاج إلى نوع معين من

 

التقويم، ومن المباني المدرسية أو التجهيزات وعملية التمويل برمتها.

 

وفي إطار جهود واهتمامات الدول وبخاصة المتقدمة منها لتطوير أنظمتها التربوية والتعليمية من أجل مواجهة التحديات

 

والمخاطر التي تواجهها، انطلقت مجموعة من التجارب العلمية في مجال المدرسة الحديثة القادرة على الوفاء بمتطلبات

 

المستقبل وأعبائه ومن هذه التجارب:

 

-       مدارس كسر القالب  Break The Mold Schools

 

-       مدارس الميثاق  Chatters Schools

 

-       المدرسة المتعلمة  The Learning Schools

 

-       المدرسة الإلكترونية  The Electronic School

 

-       المدرسة النوعية  School Driven Quality

 

-       المدرسة المبدعة  The Creative School 

 



[1] خُصّص هذا الجزء من المقالة للمواضيع الأربعة الأولى وتبقى المواضيع التالية للجزء الثّاني بإذن الله.

أضف تعليقا