كلية المنار للدراسات الإنسانية

الطريق إلى التمكين تبدأ من المسجد والسوق معا

محمود خطيب

الاثنين 11 نوفمبر 2012

667

0

الطريق إلى التمكين تبدأ من المسجد والسوق معا

في ظل ثورات “الربيع العربي” كما أصطلح على تسميته حتى الآن يدور الحديث عن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الذي من المفروض تطبيقه في هذه الدول. والصراع متأجج ما بين العلمانيين الذين خسروا الانتخابات والذين يدعون إلى تبني نظم ارضية بشرية، وبين الحركات الإسلامية التي تدعو الى تطبيق النظام الرباني ألا وهو الإسلام.. في هذه العجالة نطرح أهم ما جاء في مقال للفيلسوف الأسترالي “ديفد سطوف” لنثبت أن “الطريق الى الحياة الطيبة تبدأ بالمسجد والسوق معاً.

يقول الفيلسوف ديفد سطوف في مقاله المثير جدا “لماذا من المفضل أن نكون محافظين” : “إن تطلعات الشيوعيين بما يخص الظروف الملزمة لتحقيق السعادة للإنسانية كانت بمثابة الوقود العاطفي الذي أدى إلى نتائج فظيعة ومرعبة..!!، ففي كل مكان كان للشيوعيين اليد العليا نجد معاناة بدرجة وفي نطاق منقطع النظير..!! وفي كل مكان كان يواجه الشيوعيون مقاومة نشطة، نجد حربا لا نهائية، وفي حالات كثيرة يسود الجوع..!! انظر إلى الفظائع التي قام بها لينين وستالين وماو تسي تونغ وكاسترو وغيرهم..!!”

يكمل سطوف مثبتا أن العالم “الحر” (يقصد الغرب الرأسمالي) أدى بدوره أيضا إلى تحقيق نتائج كارثية في سعيه نحو السعادة مثله مثل الأنظمة الشيوعية، فقال: “ليس فقط الشيوعيون وحدهم الذين أدوا إلى نتائج كارثية ومعاكسة لأهدافهم التي ترمي إلى تحقيق السعادة للإنسانية..!!، إنما العالم “الحر” أدى بدوره أيضا إلى تحقيق نتائج كارثية في سعيه نحو نفس الهدف..!! ولدي الكثير من الأمثلة لإثبات ذلك!!”.

يكمل ويقول: “إن الأمن على الممتلكات والأرواح في المجتمعات الغربية مقارنة بما كان قبل مئة أو خمسين أو خمس وعشرين سنة هو في وضع مأساوي (الفيلسوف سطوف قال هذا الكلام في العام 1990)”.

وقال سطوف مثبتا أن العالم “الحر” لا أمان فيه على الممتلكات: ” “كل مدرسة، وكل غرفة هاتف، وكل مبنى أو تجمع جماهيري لا يُحرس بشكل ثابت ومستمر فانه سيتعرض يوميا لا محالة للسطو والنهب..!!، وكل مسكن وبيت خاص، ومكان عمل يتعرض للسطو إن لم يحصن، وأحيانا يتم نهبه بالرغم من تحصينه..!!، بطبيعة الأمر فإن الشرطة تبدي اهتماما متواضعا أمام تعاظم الجريمة والعنف..!!، هذا العنف الذي لن تستطيع أن تحد منه حتى لو حصلت على قوة تساوي عشرة أضعاف ما لديها..!!، طبعا هذا تحت افتراض أن الشرطة نفسها لم تلطخ يديها ولم تتوسخ في الجريمة..!!. الذين يقومون بتأمين الممتلكات وصلوا إلى قناعة أكثر فأكثر بأن مؤسسة التأمين، مثل قطار البخار واحترام النساء أصبحت تنتمي إلى عالم فان أو في طريقه إلى الفناء”.

وقال سطوف مثبتا أن العالم “الحر” لا أمان فيه على الأرواح فقال: “كل ولد وامرأة ورجل عادي من الطبقة الوسطى أو من طبقة أعلى معرض لخطر الضرب أو القتل أو الاغتصاب في الشارع، وفي المواصلات العامة، حتى في البيت..!! هذا الوضع في العالم “الحر” لا يوجد له مثيل في الأماكن الأخرى في العالم..!!، ولم يكن له مثيل في الماضي في العالم “الحر”..!! حتى في زمن الحرب والاحتلال. السلطات تحافظ على حياة الأشجار والنباتات في الأماكن والحدائق العامة..!! لكن حياة المئات من الناس تنزف يوميا..!!، تقريبا كل عائلة حظيت وجربت بنفسها نتيجة الاستهتار الذي يبديه تجار المخدرات ومتعاطوها بحياة البشر نتيجة لانتشار استعمال المخدرات..!!، والشاذون جنسيا يطالبون بحقوقهم من أجل أن يعرضوا حياة الآخرين للخطر (عن طريق نشرهم لمرض الايدز)..!!”.

وأضاف سطوف بعد أن أثبت أن لا أمان على الأرواح والممتلكات في العالم الغربي فقال: “من الممكن أن يقوم أحدهم بإعداد قائمة ليثبت فيها أنه بالرغم من التعاسة التي حصلت في العالم الغربي نتيجة لفقدان الأمان على الأرواح والممتلكات، بالمقابل فهنالك تغييرات قد حدثت وزادت من سعادتنا في الغرب..!! ولكني أجزم أنه بين السنوات 1967 و 1987 لم يحصل في الغرب أن أصبح شخص ما أكثر سعادة..!! باستثناء تجار المخدرات وأصحاب صناعة الجنس والصور والأفلام الإباحية.. ولا أظن أن الرجال والأولاد والنساء أصبحوا أكثر سعادة نتيجة للفوضى التي أحدثتها الأفكار والجمعيات النسوية (الفيمنيستيوت)..!! واضح جدا أن الحركة النسوية أدت بالنساء إلى نتائج معاكسة مثل فقدان الأمن القانوني والجسدي في ربع القرن الماضي”.

الفيلسوف الأسترالي ديفد سطوف (1927 – 1994) كانت له نظرة نقدية عن الحضارة الغربية وفشلها في إسعاد الإنسان بالرغم من كل التقدم الذي حظيت به. سطوف أثار حوله ضجة كبيرة وذلك لتحديه المستمر للأمور المتفق عليها من الجميع.. مثل النظريات الماركسية (الشيوعية)، والنظريات الفيمنستية (النسوية) والتي تدعو إلى تحرر المرأة من كل شيء..!! استطاع بسخريته المستمرة من هذه الأفكار كسب الكثير من الأعداء!! حتى أنه صرح أن الرجال بالمعدل لديهم قدرة عقلية وفكرية أكثر من النساء، هذا الأمر أدى إلى طرده في عام 1987 من جامعة سيدني التي دَرَّسَ فيها لمدة 30 سنة، في العام 1994 انتحر بعد أن أصيب بمرض السرطان.

واضح أن سطوف أمضى عمره منتقدا للشيوعية والرأسمالية، الأمر الذي كان مكلفا له وأكسبه الكثير من الأعداء وأدى به إلى فقدان منصبه، لكنه وللأسف لم يهتد للطريق الصواب، ولم يجد حلا بالرغم من أن عقله المتنور قد أوصله إلى بطلان النظم البشرية وعدم قدرتها على تحقيق السعادة للبشرية.. لقد فاته أمر جلل في طبيعة البشر، لقد فاته أن الإنسان خُلق من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، فاته أن الإنسان جسد وروح، وأن الشيوعية والرأسمالية سعت دائما إلى تلبية حاجات الجسد مهملة بشكل مقصود الروح.. حتى أنه بعد أن رأى فشل هذه النظم في تحقيق السعادة قال بأن السعادة هدف لا يمكن تحقيقه البتة، ويجب على البشرية أن تبحث عن أهداف أخرى مثل الطهارة والاستقامة وأخلاق أخرى مثل الوفاء والشجاعة.

لكن ما علاقة السوق والمسجد بكل ما ذكر؟!، الحقيقة أنني كلما خطر ببالي أن الرسول صلى الله عليه لما هاجر إلى المدينة وشرع في بناء الدولة بدأ بالمسجد والسوق معاً تفيض في نفسي من المعاني ما لا أظن أن لي القدرة على إحصائه!!. ولكن يكفيني في هذا النقاش أن الإسلام كدين شامل لم يهمل جانب الروح (كما فعلت الشيوعية والرأسمالية في الغرب)، والذي يرمز إليه بالمسجد حيث تتم العبادات التي تلبي حاجات الروح، ولم يهمل جانب الجسد (كما فعلت البوذية والهندوكية في الشرق) والذي يرمز إليه بالسوق حيث تشترى فيه الحاجيات التي تلبي حاجات الجسد.

إن الاهتمام بشؤون الناس الاقتصادية هو ليس تفضلا من الحركات الإسلامية!! بل هو من لب هذا الدين!! هذا الفكر والنهج نجده متأصلا عند الحركات الإسلامية التي تتبنى فكرة الإسلام الشمولي.. والتي كما يبدو أنها في طريقها إلى التمكين بإذن الله لتتولى شؤون العباد وتطبق الإسلام بشموليته. وقد كتب الشيخ يوسف القرضاوي كتابا رائعا لمن يريد الاستزادة في هذا الموضوع يبين فيه أهمية الأخلاق في الاقتصاد بعنوان “دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي”.

لا شك أن من يهمل أيا من هذه الجوانب – الاقتصاد والأخلاق – مثله كمثل الذي تضخمت إحدى رجليه وضمرت الأخرى.. لا شك أنه سيسير، ولكنه سيسر ببطء، وسيسير في تعرج، وحتما سيسقط.. لذلك فإن النظام الإسلامي إن طُبق بشموليته في بلدان الربيع العربي حتما سيؤدي إلى نمو اقتصادي ثابت غير متعرج يلبي حاجات الناس المادية.. وسينعش بورصة العبادات والأخلاق ليكفل حاجات الناس الروحية..

المصدر: موقع محمود خطيب

أضف تعليقا