كلية المنار للدراسات الإنسانية

التّفسير الموضوعي: لا زال غضّا متجدّدا !!

الطالبة: عائشة علواني

الاثنين 03 مارس 2013

60

0

التّفسير الموضوعي: لا زال غضّا متجدّدا !!

 

 

 

استرْعَى القرآن الكريم اهتمام و جهود العلماء المسلمين ما لم يوله علم آخر من العلوم

 

الإسلامية، وكان لفنّ التفسير من علوم القرآن حظّ الأسد، ولا يخلو عصر من عصور

 

الإسلام الذهبية وما دونها، من المفسرين بل حتى في حضرة الرسول الكريم (ص) كان

 

هناك من الصحابة من يفسر القرآن الكريم؛ وما دعاؤه عليه الصلاة والسلام، لابن عباس

 

إلا إقرارا بذلك صحة ووجودا: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".

 

وقد تربّع على عرش التفسير لمدة عشرِ قرون[1] المنهج التحليلي ـــــ الترتيبي ـــ

 

بمدرستيه: الرواية والدراية، ولعل الناظر إلى هذه النتيجة الإحصائية يدرك مدى الركود الذي أصاب هذا الفن رغم أهميته وأولويته

 

في العلوم الإسلامية، وبالنظر إلى ما أساله من حبر وعرق، يصعب جدًا تصور الركود على منهج واحد دون التحول عنه طول هذه

 

المدّة.

 

لأن الفهم التجزيئي الذي يمثله المنهج التحليلي للتفسير " يقف دائما عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك من النص القرآني ولا يتجاوز

 

ذلك غالبا، وحصيلة تفسير تجزيئي للقرآن الكريم تساوي على أفضل تقدير مجموعة مدلولات القرآن الكريم ملحوظة بنظرة

 

تجزيئية أيضا، أي أنه سوف نحصل على عدد كبير من المعارف دون أن نكشف التركيب العضوي لهذه  المجاميع من الأفكار، ودون

 

أن نحدد في نهاية المطاف نظرية قرآنية لكل مجال من مجالات الحياة "[2]

 

ولقد شهد القرن الماضي بعض محاولات إيجاد مناهج جديدة، تجيب على التساؤلات المستجِدة والعلوم الوافدة التي واجهتها

 

الساحة الإسلامية، ولم يكن إشكال هذه العلوم في منشئها  غير الإسلامي فقط، ولكن في انبثاقها من مناهج فكرية وفلسفية

 

متطورة، ما شكّل الفارق الكبير وأظهر عجز المنهج التفسيري القديم، على مستوى جبهتين: الرد على المستشرقين والإجابة

 

على تساؤلات المسلم الخاصة بديانته وحياته.

 

من بين المناهج التي تولدت في بدايات القرن الماضي التفاسير العقلية الاجتماعية للقرآن الكريم ـــــ التفسير الحركي ــــ وقد

 

أرسى دعائمها الإمام محمد عبده[3]، فقد أحدثت إضافة جيدة في النظرة إلى منهج التفسير وتجديدا فيها، وتلته عدة محاولات

 

أخذت بالنضج أكثر فأكثر، وأضافت إلى الواقع الإسلامي والمكتبة الإسلامية إضافة يشار إليها بالبنان، مثل تفسير المنار لمحمد

 

رشيد رضا وتفسير ظلال القرآن للشهيد سيد قطب، وقد نال الأخير الريادة في هذا التوجه الجديد، كما قد أولى عناية خاصة في

 

تفسيره لمحاولة الوصول للوحدة الموضوعية في كل سورة من سور القرآن الكريم. 

 

كما استجدّ على ساحة التفسير فنٌّ جديدٌ متجددٌ من علوم القرآن وهو التفسير الموضوعي، وذلك بتقريره كمادة علمية تدرس في

 

جامعة الأزهر، بغض النظر عن سبب عودته إلى الساحة ومن ذا الذي أعاده وهذه الإشكالية قد اعتراها الكثير من الصد والرد ولا

 

يهمنا كثيرا الكلام فيها[4]؛ إلا أن المتفق عليه أنه ثمّة بذور للتفسير الموضوعي في عصر النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة

 

رضوان الله عليهم، والمتمثل في تفسير القرآن بالقرآن، وقد ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما روى الشيخان عن

 

عبد الله بن مسعود لما أنزلت الآية {الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}[ الأنعام:82] شق ذلك على المؤمنين فقالوا يا

 

رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟، فقال صلوات ربي وسلامه عليه:" إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح {إنَّ

 

الشِّرْكَ لظلمٌ عظيم } [لقمان: 13] إنما هو الشرك" [5].

 

إن هذه الرواية دالة على أمرين أنّ الصحابة أصلا كانوا يردّون ما لم يفهموه من القرآن إلى القرآن نفسه وإلا فما قولهم

 

" وأيُّنا لا يظلم نفسه " إلا ردا إلى قوله تعالى: {ربنا ظلمنا أنفسنا فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخسرين} [الأعراف

 

:23]، والأمر الثاني وهو الأهم: تصويب الرسول صلى الله عليه وسلم، أن الظلم المقصود في هذه الآية هو أعظم الظلم يعني

 

الشرك بالله، فالتوجيه النبوي لم يكن إلى لفتهم لتفسير القرآن بالقرآن ــ وإن كان بعض العلماء يشير إلى ذلك ــــ[6]، وإنما

 

كانت إشارته صلى الله عليه وسلم إلى تتبع المنظومة القرآنية المترابطة والتي يفسر بعضها بعضا، ويجب الأخذ بها كاملة،

 

{ أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء:82] .

 

وهذه المنظومة القرآنية قد تفطّن إليها علماء الفقه منذ عصور الإسلام الأولى فشيّدوا على أساسها منظومة أصول الفقه،

 

لاستقراء واستنباط الأحكام الفقهية، دون أن يعتري المنظومة أي خلل أو عدم انضباط ناهيك عن التعارض؛ وهذا الإِحكام

 

جعل هذا البناء ـــــ أصول الفقه ـــــ يقف أما الرياح العاتية لقرون طويلة دون أن يهتز أو يطرأ عليه طارئ لا يحتمل استيعابه،

 

وقد أقلّ كل ما شُيّد عليه لوقوفه على أساس متين، بقيامه على علم نظري وهو علم الأصول، وآخر تطبيقي وهو الأحكام الفقهية.

 

فدراسة آيات الأحكام بهذا الاعتبار تعد تفسيرا موضوعيًا[7]، وأصوله قديمة جدًا من نهايات القرن الثاني الهجري، ويبقى السؤال

 

لِمَ لمْ تشمل هذه المنهجية السليمة للدراسة الموضوعية، جميع آيات القرآن واقتصرت على آيات الأحكام وهي لا تتجاوز الخمس

 

مائة آية، وهذا التعداد يساوي حواليْ عُشُر القرآن الكريم؟؟.

 

حوالي تسعة أعشار القرآن معطلة أو شبه مهجورة، قد يقول البعض إن هذا الحكم قاس؛ لكن أليس علينا أن نسأل لم أنزلت

 

كل هذه الآيات ونحن نكتفي بعشرها وبأقل من ذلك ؟؟؟؟

 

إن علم أصول الفقه علم قائم بذاته وهو منبثق من عدد محصور من الآيات، والمنطق يقول إن مثل تعداد هذه الآيات ستقوم

 

عليها علومٌ أخرى!!

 

وعلينا أن نحصي أقل ما نحصي عشر علوم : التوحيد، الأخلاق، علم الغيب، الكونيات، نشأة الإنسان، فكر الإنسان، نفسه،

 

علاقته بالكائنات الأخرى .....

 

المتأكدُ لدينا أن 500 آية أنشأت علما فما شأن البقية من 6236 آية.   

 

تضافرت الظروف حول الأمر وتكاثفت على هذا التفاوت في التعامل مع صنف من الآيات دون الآخر، ولعل السبب المباشر كان

 

الضغط الذي شهده علماء الفقه من الأسئلة اليومية المتعدّدة، والثقافات المختلفة التي كانت تنضوي تحت لواء الإسلام، في مدة

 

يسيرة تعد بالسنين لا بالعقود، مما جعل الفقه يقع في الأزمة المعرفية مُبكراً، وصُبت جام الجهود على التفكير في إرساء قواعد لهذا

 

 

العلم حتى لا ينفرط عقده في ظل الظروف التي كانت تعيشها الأمة الإسلامية؛ وكان السبب الآخر العقلانية[8] التي بنيَ عليها،

 

فعلم الأصول مبني على الدلالات اللغوية، وهذا أضفى عليه استقلالية من توارث النصوص[9]، ولعل هذين العاملين الرئيسين

 

اللذين سرّعا عملية النضج المبكر للأصول.

 

ولسنا بصدد التعريف بعلم الأصول، إلا من جانب دراسة عوامل نشأته[10] ومقارنتها بالتفسير الموضوعي حضورا وغيابا،

 

للتدقيق في سبب غيابه عن الساحة ا­­­لفكرية الإسلامية كل هذا الزمن، و نقارنها من جانب آخر بأسباب التعثر أثناء العودة إلى

 

هذه الساحة بعد طول غياب.

 

وعودة التفسير الموضوعي في القرن الماضي ناشئ عن أزمة معرفية؛ لم تقتصر بالرد على المستشرقين، بل تجاوزته إلى

 

الهوة المعرفية الكبيرة التي حالت بين عقل المسلم المصقول بعلوم غربية وبين موروثه الديني[11]، وألقت بظلال هذا العجز

 

على  حياته اليومية التي ما عادت من الدين الإسلامي ولا من المدنية الغربية، شتات من هذا وذاك لم ينضوِ تحت لواء !!.

 

والأكيد أن هذه الأزمة المعرفية طالت كل ربع إسلامي، كما طالت مدة جثوِها على رقبة الفكر الإسلامي، فليست هذه الأزمة

 

وليدة الأمس القريب، فما سبب العثرة إذًا ؟؟؟

 

ليس حصرا للأسباب؛ لكن الموضوعية تفرض علينا الاكتفاء بما تناولته المقالة عن سببي انطلاق علم الأصول، وبما أن الأزمة

 

المعرفية متوفرة، بقي طريقة تناول النصوص، أو المنهج المتبع في دراسة النصوص القرآنية، وإنزال النصوص إلى الواقع الإنساني،

 

وإعادة رفع هذا الواقع بها؛ فهذا لا يحتاج إلى جهود فردية بدائية تجزيئية، إنما هو وليد جماعات علمية متخصصة، ونظرة شمولية،

 

وبحوث فعلية.

 

وما كان عليه الرعيل الأول من المسلمين لم يكن مجرد الإجابة على المستجدات، بل اقتحام الآفاق واكتشاف الوُسع وتسخير

 

الأسباب لعبادة رب الأسباب، تحقيقا لخلافة الله سبحانه في الأرض، و منشأ هذا كان من الرؤية التي منحها لهم القرآن الكريم

 

والرسول العظيم، من الفقه السديد[12] للنصوص الكريمة.

  

     فمتى نحيي من جديد منهج الأوائل في خلافة الله في كونه المنظور، بالتفكر في كونه المسطور.



([1]) الإمام الطبري مؤسس المدرسة التحليلية (ت310هـ) أوائل القرن الرابع الهجري.

([2]) محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية ملف رقمي. موقع مؤسسة الصدرين للدراسات الاستراتيجية يوم: 03/03/13، سا 16:13  http://www.alsadrain.com.

([3]) التفسير الموضوعي بدر الدين ناجي  وآخرون ص 17

 ([4]) إن بعض العلماء [منهم د. سامر رشواني في كتابه منهج التفسير الموضوعي ] قد رد المنشأ للمستشرقين الذين كانوا يعنون بدراسة القرآن الكريم ـ بغض النظر عن الخلفية الأخلاقية ـ لكن المنهج المتبع هو ذات التفسير الموضوعي، وقد دل على هذا دراسة " تفصيل آيات القرآن الكريم " للمستشرق الفرنسي جول لا بوم ( 1806ـ 1876م)، أمّا أوّل دراسة قرآنية موضوعية مؤسسة للمسلمين ليست منا ببعيد بل تعود إلى النصف الأخير من القرن الماضي، ففرق الزمن واضح للغاية.

([5]) صحيح البخاري كتاب التفسير، 6/20.                                                          

 ([6]) مصطفى مسلم، مباحث في التفسير الموضوعي، دار القلم دمشق، ط الثالثة، 2000م، (ص/17).

([7]) ينظر: معايير القبول والرد لتفسير النص القرآني، د. عبد القادر محمد الحسين، دار الغوثاني للدراسات القرآنية، ط/1، 1428هـ/2008م.

([8])  العقلانية : بمعنى استعمال ما توصل إليه عقل الإنسان من علوم، لفهم النصوص الشرعية وكانت في هذا الموضع  اللغة والبيان.

([9])الاستقلالية باعتبار الاجتهاد، والنصوص هنا ما كان من أقوال العلماء والصحابة، أما النص القرآني والسنة الصحيحة فلا تجاوز لها.

([10]) باعتباره نوعا من التفسير موضوعي لآيات مخصصة من القرآن الكريم.

([11]) مالك بن نبي الظاهرة القرآنية، ص54.

([12]) السديد باعتبار أن هناك مسارا للفهم لا يجب أن يحيد عنه، مع معرفة أن هذا المسار لا نهاية له، فالنتائج تتوالى من الاية الواحدة مصداقا لقوله تعالى" قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " الكهف الاية:109 

أضف تعليقا