كلية المنار للدراسات الإنسانية

الاختزال .. أزمة فكرية

الاختزال .. أزمة فكرية

 

 

يعيش الإنسان العربي في عصرنا الكثير من الأزمات الفكرية التي حجبت على عقله وكبلت

 

 أطرافه فمنعته من التفكر والتفكير ومن العمل والتدبير، فساهم ذلك في عجزه عن إبداع

 

الحلول للظواهر التي تعترضه، وتركته دائما رهين أسباب خارجية نتائجها معروفة مسبقا.

 

فقد أشار مالك بن نبي عليه رحمة الله إلى أنه علينا "بادئ الأمر تصفية عاداتنا وتقاليدنا

 

وإطارنا الخلقي والاجتماعي عما فيه من عوامل قتالة ورمم لا فائدة منها، حتى يصفو الجو

 

للعوامل الحية، والداعية إلى الحياة.."[1]، وأرى أنه علينا أن نهتم أيضا بفكرنا ونزيل ما قد يكون

 

داخَله من أفكار مقيضة تعمل عمل الحشرات الضارة.

 

ولعلي سأتحدث عن مفهوم تكلم عنه الدكتور المسيري كثيرا وعالجه الدكتور محمد باباعمي في الكثير من مقالاته، وهو مفهوم

 

الاختزال.

 

فالاختزال هو العجز عن إدراك الواقع بكليته، قصورا أو تقصيرا، مع إعطاء أحكام مبتورة قد تكون صادقة ولكنها غير حقيقية. وإلى

 

هذا يشير المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري في الحوار الذي أجرته معه سوزان حرفي: "إنه من الواضح أنه ثمة أزمة في

 

العالم العربي، وأن هذه الأزمة قد تسببت في شكل من أشكال الجمود الإدراكي، بمعنى أن العقل العربي، أصبح بسبب الأزمة غير قادر

 

على إدراك الواقع بكل تركيبته، فلجأ إلى صيغ لفظية وإدراكية جاهزة ليجابه بها الواقع"[2].

 

والاختزال مرض يفترس أولئك الذين تعودوا الراحة والكسل، ورضوا أن يتركوا عقولهم تغط في سبات عميق. فالرؤية الشمولية

 

تحتاج إلى القدرة على التحليل وإلى القدرة على توسيع مجال الرؤية قبل إصدار أي حكم أو اتخاذ أي موقف.

 

والحل في تجاوز هذا المرض –كما أشار إليه الأستاذ طه كوزي[3]- هو في استحضار السياق عند الفهم والتحليل، والبحث عن

 

الأسباب الرئيسية والثانوية التي تركب الظاهرة المدروسة، مع استحضار وسائل التحليل ومعاييره عند تناولها.

 



[1] - مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر-سوريا، ط:9، ص: 86.

[2] - سوزان حرفي (تح)، الهوية والحركية الإسلامية –حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيري، دار الفكر- سوريا، ط1، 2009، ص: 116.

[3] - الاختزال والرؤية الشمولية، ندوة عقدت بمعهد المناهج تحت إشراف الأستاذ طه كوزي بتاريخ: 02/09/2012.

أضف تعليقا