كلية المنار للدراسات الإنسانية

المسألة الثقافية في الجزائر وإسهام مزاب فيها: التأطير الجمعوي للتعليم الحر ونتائجه

د. الحاج موسى بن عمر

الثلاثاء 05 ماي 2013

835

0

المسألة الثقافية في الجزائر وإسهام مزاب فيها: التأطير الجمعوي للتعليم الحر ونتائجه

تكونت في مزاب نخبة من المصلحين العاملين التفّت حول الإمام إبراهيم بيوض، وكانوا يجتمعون باستمرار وينظرون فيما جدّ من الأحداث، ويقاومون الظلم بتحرير الشكاوى والاحتجاجات لحماية الحركة العلمية ويمدّون جسور الاتصال مع العلماء العاملين في مختلف أنحاء القطر لفك العزلة التي ضربها الحكم العسكري.، ولم يزد ذلك، ولا المعارضة التي كان يلقاها من خصومه، إلا تحفيزا على العمل والمضي قدما إلى الأهداف التي حددها[1]

أ‌.       جمعيات التربية والتعليم

لما كثر التلاميذ والطلبة في سائر مدن وادي مزاب فكر المصلحون وشرعوا في تأسيس جمعيات خيرية تتولى أمر التربية والتعليم فتأسس لذلك جمعيات في كل قرية منظمة حسب ما هو معروف من قانون أساسي ومجلس إدارة وأعضاء مشتركين وانتخابات دورية لأعضاء الإدارة ومكتبها، إلا أنها كانت سرية، أي أنها لم ترسم نفسها حسب قانون جويلية 1901 خوفا من تدخل السلطة الحاكمة في شؤونها بمالها من حق المراقبة والتفتيش [2]. وبمساعدة السيد عيسى خبزي أسس الشيخ بيوض بالقرارة في1937جمعية الحياة التي لها نفس التوجه الذي لجمعية الإصلاح بغرداية.[3] وعبر الشيخ بيوض عن تطلعه في تأسيس جمعيات مماثلة في كل قرى مزاب.[4]

   لقد تأسست هذه الجمعيات سرا، ثم اقتضت ظروف أخرى أن تعلن عن نفسها فاعتمدت جمعية الإصلاح بغرداية في 1928، ثم جمعية الحياة بالقرارة سنة 1937 ثم جمعية النهضة بالعطف في 1945 وجمعية النور ببنورة في 1945 فجمعية الاستقامة ببني يزقن سنة 1946 فجمعية الفتح بريان 1947 ثم جميع النصر بملكية في 1960[5]. فبعدما تحصلت جمعية الإصلاح على الاعتماد، ولما كانت الغاية من تأسيسها هي نشر العلوم وترقية الأمة علميا وأدبيا، بالسعي في تأسيس المدارس وإرسال البعثات العلمية وفتح المكتبات العمومية[6]، بذلت إدارة الجمعية مساعيها للحصول على رخصة للتعليم[7]، وطال الانتظار ولم يتحصل على الرخصة. وبعد البحث عن السبب، تبين أن الملف ملاحظ عليه بالقلم الأحمر أن طالب الرخصة من خريجي الزيتونة والعطارين والخلدونية بتونس وما يلصق بهذه الأماكن من الرائحة الدستورية والإصلاحية التونسية.[8] وبعد طول المخاض وفي أوائل سنة 1932 تحصل الشيخ صالح بابكر على رخصة التعليم وكان في بادئ الأمر في دار لأخيه الحاج إبراهيم تسمى دار بايزي فشرع في التدريس في أول يوم من رمضان من السنة ذاتها. بمحضر ممثلين عن العزابة والمحكمة الشرعية مع معلمين اثنين[9] و32 تلميذا وأوليائهم.[10] فحسب التقارير الفرنسية، فإن جمعية الإصلاح،التي يرأسها الشيخ صالح بابكر، تهتم تحت غطاء تلقين العلوم وترقية الشعب في المجال العلمي والأدبي، خاصة « بالمسائل السياسية ذات التوجه الوطني، ومن هنا يجب أن تكون محل مراقبة خاصة جدا».[11] وفي مطلع جانفي 1938 ألحق الشيخ بيوض إلى جمعيته مدرسة بدون ترخيص، مما أدى إلى غلقها من قبل السلطات الفرنسيـة.[12] وكان لزاما على مسؤولي الجمعية أن يستكملوا كل الإجراءات الشكلية والبيروقراطية ليؤذن لهم من جديد بإعادة فتح المدرسة، ولم يتم ذلك إلا في أكتوبر 1938 بعد عشرة أشهر من الانتظار وحوالي مائة تلميذ في أول دفعة، ولم يكن مسموحا بعد كل ذلك من فتح أكثر من قسميــن.

 ولقد فتحت جمعية الحياة ناديا لها بساحة السوق بالقرارة بتكلفة 60 ألف فرنك وتذكر التقارير الفرنسية أن جمعيتي الإصلاح والحياة تعملان على عيني الشيخ بيوض وتحت تصرفه الكامــل. ولقد ختمت السنة الدراسية بحفل جمع تلاميذ الجمعيتين في مقر جمعية الإصلاح تحت رئاسة الشيخ بيوض. ولقد وجهت دعوات الحضور إلى إطارات سلك التعليم بغرداية، وحضرها فعلا معلمان فرنسيان إضافة إلى بعض الضباط السامين في الملحقة ولقد جرت فعاليات الحفل وأنشطة التلاميذ بلغة عربية فصحى مما أدهش الحاضرين.[13] وباستحضار ظروف المرحلة، وكثرة الخصوم والمتربصين بالنهضة الشاملة للمجتمع، فإن أحسن تفسير لدعوة إدارة النظام العسكري للمنطقة لحضور الحفل، إنما لذرّ الرماد في العيون، واستبعاد أخبار الوشاية والتلفيق.ومن جهة أخرى عمل السيد محمد بن ناصر أطفيش بعد عودته من تونس في مطلع نوفمبر 1941 على فتح مدرسة ذات توجّه إصلاحي بيزجن.[14] والملحوظ أن التعليم الذي كان له الدور الأساسي والريادي في هذا الكفاح الحضاري، كان محوطا بالأخلاق وموجها بنبل المقصد والغاية ومصحوبا بالتربية والتهذيب، وهو ما أمّنه من كثير من العثرات التي تتعرض لها النهضات، فجنى المجتمع ثمار نهضة فكرية كان لها دور خطير في العالم الإسلامي.

 وما يجب التأكيد عليه أن هذه الحركة التربوية والتعليمية في مزاب كانت سامية الغاية نبيلة المقصد دقيقة الهدف وعن ذلك يقول الشيخ عدون مدير معهد الحياة[15] : « إن الغاية التي يجب أن يجعلها المتعلم نصب عينيه نوعان:عامة وهي طلب رضا الله وشرف العلم نفسه ونفي الجهل عنه، وخاصة وهي تكوين الملكات العلمية في مختلف الفنون وتثقيف العقل وتنوير الذهن وتربية النفس تربية صحيحة، وإعدادها لتحمل قسط من عبء الإصلاح الديني والوطني، فإن الدين والملة والوطن تطلب رجالا أكفاء ». ولتحقيق هذه الأهداف اتخذت هذه الجمعيات وسائل عديدة، وسلكت طرقا متعددة فبنت المساجد، وأسست المدارس وأقامت النوادي وفتحت المكتبات، وحرصت على دعم ذوي الفاقة من الطلبة، وأرسلت البعثات العلمية إلى الخارج إلى تونس وبغداد والقاهرة ودمشق.[16] وكانت جمعية الإصلاح بغرداية ترى، في عريضة موجهة إلى لجنة التحقيق البرلمانية الفرنسية في 1937م، أن علاج وضع المسلمين الجزائريين يكمن« أولا في حرية التعليم العربي والوعظ والإرشاد إذ الجهل هو سبب الانحطاط ورأس الشر والفساد، وأصل المحن والبلايا، وبالمقابل فإن في نشر العلم تقليل السجناء من السجون، وفي مصلحة الحكومة الفرنسية إذا كانت فعلا وجودها لترقية الوطن علميا وأدبيا وعمرانيا واقتصاديا وغيرها لذا فإن حرية واسعة وتسهيلات كافية لنشر التعليم وإزالة كل الموانع والقيود دونه كفيلة بأن تحقق أهداف الجمعية وتحقق حتى غايات الاستعمار التي يدعي أنها جاء من أجلها».[17]

 لقد أسس الشيخ بيوض مع مساعديه عدة مدارس في أهم مدن الجزائر جنوبا وشمالا وشرقا وغربا بالإضافة إلى مدارس مزاب، في مدينة الجزائر والبليدة وتيارت وغليزان ووهران، وفي توقرت، وبسكرة وباتنة والعلمة (سانت أرنو) وقسنطينة، على غرار المدارس التي أنشأها في مزاب وكانت تخضع لنظام موحد وكانت مفتوحة لكل أبناء الجزائر المسلمين وكان بينها وبين مدارس جمعية العلماء اتصال وتبادل مثل مدرستي غليزان وتلمسان، ومنها ما اندمج مثلما حصل في بسكرة حيث كانت مدرسة فتحها بنو مزاب هناك لكل أبناء بسكرة، ولما تأسست مدرسة الإخاء من قبل جمعية العلماء سنة 1931 انتقل إليها جميع تلاميذ تلك المدرسة مع معلمهم الشيخ محمد الطرابلسي، كما ساهم في مجلس إدارة المدرسة الجديدة أعضاء من مجلس إدارة المدرسة القديمة وكلهم من أعضاء الحركة الإصلاحية لمزاب ومنهم السيد عيسى خبزي الرئيس الشرفي لجمعية الحياة بالقرارة الذي عين أمين مال مدرسة الإخاء.  وقد أشاد الشيخ عبد الحميد بن باديس بهذه المدرسة أثناء زيارته إياها في 1932 وكتب يعبر عن انطباعه السار: « ومن أعظم ما يدخل السرور في قلب المسلم أن يرى إخوانه المسلمين يمثلون معنى الأخوة تمثيلا عمليا، مثلما شاهدته ببسكرة من مالكيتها وإباضيتها، فجماعتهم واحدة، ورأيهم واحد وشوراهم في المصالح العامة واحدة… واهتداء البسكريين مالكيتهم وإباضيتهم إلى تسمية مدرستهم بمدرسة " الإخاء " هو أثر لما تنطوي عليه قلوبهم من معنى الأخوّة الصحيح التي ربطها بها الإسلام».[18] وكانت مدرسة الإصلاح بغليزان أول مدرسة احتضنت الشيخ عبد الحميد بن باديس وأحسنت وفادته بعمالة وهران معقل التصوف

والطرقية، وقد كان إذاك الشيخ الحاج أحمد بن الحاج موسى بابا عمي مشرفا على المدرسة، وقد كان ابن باديس يزور المدرسة كل سنة عند مروره إلى تلمسان.[19] وباعتمادنا على حالات التفتيش التي كان الشيخ عدون[20] يحرص سنويا على القيام بها ومراقبة سير التعليم عبر كل بلاد الجزائر،وحتى تونس فإننا سنلحظ تطور هذا التعليم، فقد كان عدد التلاميذ في مدارس الوحدة خارج مزاب إلى آخر الموسم الدراسي1953- 1954 عشية اندلاع ثورة التحرير 376 تلميذ يؤطرهم 13 معلما في 58 قسما يضاف إليهم ما يناهز الأربعين طالبا في معاهد تونس[21]. وخلال فترة الثورة التحريرية كانت حركة الإصلاح في مزاب تراهن على دفع عجلة التعليم إلى الأمام لتحضير إطارات الدولة المشروع وقيادات الأمة، فبالإضافة إلى أعداد التلاميذ في مدارس وادي مزاب التي تتضاعف باستمرار فإن تقارير التفتيش السنوية التي أحصت نتائج التعليم خارج مزاب أبرزت تطورا هائلا لحركة التعليم التي كانت تحت إشراف الحركة الإصلاحية في مزاب بقطع النظر عن حالة السكون التي شهدتها وتيرة البناء والتوسع الهيكلي للمدارس والأقسام خلال فترة الثورة للظروف الأمنية والمادية التي أملتها هذه المرحلة إلا أننا نلاحظ أن تزايد عدد التلاميذ خلال هذه الفترة إلى الضعف، وبلغة الأرقام فقد بلغ مجموع التلاميذ المزاولين لدراستهم خارج مزاب 844 تلميذا خلال الموسم الدراسي 1963/1962 وقد كان تعدادهم 412 في موسم 1954/ 1955 بمن فيهم الطلبة الدارسين في تونس[22].

ومثلما كانت المقاومة على أشدها خلال النصف الأول من القرن العشرين لمختلف أنواع القمع والتسلط وسد الأبواب أمام حركة الإصلاح من قبل الاستعمار وأذنابه، فقد كان التحدي قائما حتى في أحلك ظروف مرحلة الثورة التحريرية باستفراغ كل الجهود لضمان سيرورة التعليم والتكوين، وتوفير كل ما كان في الإمكان من الموارد البشرية والمادية، وقد رأينا نتيجة ذلك، مما يبعث على الإعجاب ويدفع للتقدير. 

 أدركت فرنسا أن العلماء، قادة هذا الفكر، بدأوا يعدون لمعركة فاصلة بينهم وبين الفرنسيين، واستيقنت أن مشروعهم يمثل أكبر الخطر على مستقبل فرنسا في الجزائر؛ لأن « مدارسهم عبارة عن خلايا سياسية، والإسلام الذي يمارسونه هو مدرسة حقيقية للوطنية». من أجل ذلك راحت فرنسا تسطر خططها، وتنفذ مكرها بشكل مستمر للقضاء على هذا التيار تنظيما وأفرادا، ومن ذلك:

 · إغلاق مدارس الإصلاح قبل تأسيس الجمعية مثل المدرسة الصدّيقية بتبسة في 1914، وبعد تأسيس الجمعية مثل مدرسة الحديث بتلمسان في1938، ولم تكتف فرنسا بغلق المدارس؛ وإنما سجنت العلماء والمدرسين، وحرم التلاميذ من التعليم بغلق المدارس.

 · منع العلماء من التجول في الجنوب الجزائري الخاضع للحكم العسكري.وفي هذا السياق كتب ابن باديس محتجا على منشور الحاكم العام الموجه إلى حكام الجنوب بالقبض على كل طالب (معلم) منسوب إلى الجمعية وسجنه حال جولانه باسمها أو دعوه إليها.[23]

 · منع العلماء من الوعظ والإرشاد في المساجد التي كانت تحت إشرافها وسيطرتها.

 · منع جرائد العلماء من الصدور، ابتداء بجرائد أبي اليقظان الثمانية، إلى جرائد "السنة" و" الشريعة" و" الصراط".

 · إنشاء جمعيات منافسة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن هذه الجمعيات نذكر جمعية علماء السنة، وجمعية الزوايا، وغيرهما.

 · السعي والضغط لتغيير قيادة جمعية العلماء، مرة بمحاولة إخراج الإمام ابن باديس منها؛ ومرة بمحاولة فرض شخص لقيادة الجمعية بعيد وفاة ابن باديس. ولعل  محاولة فرنسا التدخل لفرض رئيس على الجمعية أو إبعاده عنها لم يعرفها أي تنظيم في الجزائر، سوى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

 · فرض الإقامة الجبرية على العلماء، مثل ابن باديس، الإبراهيمي، بيوض، التبسي..وغيرهم.

 · ارتكاب جرائم قتل واتهام"العلماء" بالتحريض عليها، ومن ذلك اغتيال الشيخ كحول، واتهام الشيخ الطيب العقبي، وإطلاق النار على الشيخ أحمد الحبيباتي، لاتهام الإمام ابن باديس بالتحريض على اغتياله، وذلك في شهر أوت سنة 1936م، بعد أسبوع من اغتيال الشيخ كحول.

 · تدبير محولات اغتيال قادة هذا التيار قبل تأسيس الجمعية، كما وقع للشيخ ابن باديس، وبعد تأسيسها كما وقع للشيخ إبراهيم بيوض.[24] فلقد حاولت السلطة العسكرية تصفيته ثلاث مرات.[25] ولقد استمرت هذه المصارعة بين الجمعية والإدارة الفرنسية إلى قيام الثورة في 1954، ولكن بدرجات متفاوتة وأساليب مختلفة.[26] وحسب شهادة الخصوم، فإن وثيقة خلصت إلى أن جمعيات التعليم فإن التعليم الذي ينشر تحت إشرافها «له طابع وطني صرف يغرس في نفوس تلاميذ مدرسة الإصلاح (ذلك التوجه)، ويحفظهمأشعارا تتغنى بالحرية، الشيء الذي جعل هؤلاء الطلبة منذ 1932 خاصة من تعلم منهم بمعهد الحياة عند الشيخ بيوض في القرارة، ينشطون مع الأنظمة الداعية إلى انفصال الجزائر عن فرنسا، والمتواجدة (الأنظمة) بشمال الجزائر  » [27].

ب‌. نتائج التعليم العربي الحر       

ولقد أتت هذه الجهود أكلها، فتحققت الأهداف المسطرة بعد أن استطاعت الجمعيات الخيرية في وادي مزاب أن تنهض بعبء التعليم العربي الحر في هذه المنطقة من البلاد وفي الجهات الأربع من أرض الجزائر، وأن تنشئ المدارس والمعاهد والمكتبات والنوادي الثقافية والمساجد الحرة التي تعنى بالتعليم إلى جانب الشعائر الدينية، مما جعل منطقة وادي مزاب تموج بنهضة ثقافية عربية إسلامية كبيرة، وبذلك غدا جيل الاستقلال في حصانة من خطر الفرنسة والتفسخ الأخلاقي والانحلال الاجتماعي الذي كان يهدد الجزائر كلها [28].

 ولقد صدق تنبؤ الإمام عبد الحميد بن باديس عند زيارته تونس في 1921 ملبيا دعوة من البعثة العلمية للمزابيين هناك، فكانت فرصة للاطلاع على أوضاع التلاميذ وتطلعات مسؤوليهم، فسجل انطباعاته، في مقال صحفي[29] أشرنا إليه سابقا، بقوله: «إن الشعور الوطني، إذا أفعم لابد أن تظهر ثمراته في الأعمال حتى تبلغ الأمم غاية الكمال فهو كالماء تحت الجبال، لابد أن ينبعث فتشقق له الحجارة وتتفجر منه الأنهار. وهاهم أولاء إخواننا المزابيون، سرى فيهم شعور صحيح، فولعوا بالتقدم فأخذوا يتمسكون بأسبابه بجد واجتهاد، وأخذوا في طريق التجارة حتى ملكوا أزمتها، وصاروا العضو القوي الإسلامي بالجزائر فيها، وهاهم اليوم يسعون في طلب العلم، ويرحلون من أجله، وأخلق بهم أن ينالوا ما يريدون. »[30]  ويثبت الشيخ علي دبوز ما بدا من صلاح ثمار الجهود المبذولة في مجالات التربية والتعليم حيث  يقول :« ما من عمل خيري يلوح إلا وجد هذه الجمعيات سابقة إليه فازدهرت النهضة بفضلها كل الازدهار، وعمّ الإصلاح كل أنحاء مزاب، وقرت عيون المصلحين ببلوغ الغاية التي سعى إليها بناة النهضة رحمهم الله، ولما جاء الاستقلال وجد وادي مزاب قد تم تعريبه وتكوينه واستعد استعدادا كبيرا لمعارك البناء والتشييد في كل النواحي، وهو آخذ فيها بخطوات محمودة تبعث على السرور والحمد لله، وذلك بفضل إصلاح المجتمع وحسن توجيهه، وبفضل أجيال الشباب المثقفين الذين أحسنت المدارس والمساجد ودور العشائر بناءها... » [31].

وجاء الاستقلال وظن الجميع أن مراحل الضغط وعرقلة مشاريع الإصلاح الاجتماعي قد ولت بزوال الاستعمار، غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال وخاصة مابين 1962 و1978 قد شهدت أنواعا أخرى من الضغوط والعراقيل باسم الاشتراكية حينا وباسم الأحادية الحزبية حينا ولتصفية حسابات ضيقة في أحيان أخرى.

ففي الوقت الذي ضيق فيه على جمعية القيم وانتهى أمرها إلى الحل في 1964، وفي الوقت الذي حوصر فيه الشيخ البشير الإبراهيمي إلى حين وفاته في نفس السنة، وفي الوقت الذي أودع فيه الشيخ بيوض في السجن ودون إدانة في السنة ذاتها وجرد من أملاكه ومنع من النشاط إلى 1967، وفي الوقت الذي كادت أن تؤول فيه مدارس الإصلاح بمزاب إلى تأميم الدولة في 1976، في هذا الوقت الحرج كان التعليم الحر في مزاب وفي كل مدارس الإصلاح عبر الجزائر جاريا، ليكمل ما نقص في التعليم الرسمي في جوانب الهوية الإسلامية للتلاميذ، وكان حصاد هذه الجهود وافرا، لأن العمل الهادف البناء الذي يصحبه وضوح الهدف والرؤية من جهة وطول النفس من جهة أخرى، لا يلبث أن يتقدم ويؤتي ثمارا مدهشة.

وإذا استنطقنا لغة الأرقام فإننا نجد فيها ما يثبت ما ذهبنا إليه، إذ بناء على التقارير السنوية للتفتيش[32]سالفة الذكر، فإننا نجد أن عدد التلاميذ، ذكورا وإناثا، قد تطور  من  2788 تلميذا وتلميذة في الموسم الدراسي 1962-1963 إلى 11515 في الموسم الدراسي 1978-1977 أي قفز بحوالي أربعة أضعاف في مدة 15 سنة، ونجد أن عدد المعلمين تبعا لذلك قد قفز من 80 معلما في موسم 63-1962 إلى 190 معلما في موسم 77-1978، أي ما يقترب من مرتين ونصف في نفس المدة. أما عدد الأقسام فإننا نسجل تزايدا من 154 إلى 259 قسما أي بزيادة أكثر من 100 قسم خلال 15 سنة، إضافة إلى أن عدد المدارس خلال نفس الفترة توسع من 20 مدرسة إلى 29 مدرسة منتشرة في 26 مدينة من مدن الجزائر شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. ولا تزال رقعة التعليم الحرّ في توسع وانتشار دون أن تحدّ من وتيرتها رياح الانفتاح التي شهدها عقد الثمانينيات من القرن الماضي، ولا حتى أمواج العنف والرعب التي هزّت عقد التسعينيات.

 تطالعون أيضا:

 المسألة الثّقافية في الجزائر وإسهام مزاب فيها: الحلقة الأولى

 المسألة الثّقافية في الجزائر وإسهام مزاب فيها: التعليم العربي الحرّ


[1] إبراهيم الحاج أيوب: الشيخ القرادي، حياته وآثاره، الحلقة الأولى، تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة العطف 1990، ، ص123

[2]  الشيخ إبراهيم بيوض: تقرير حول التعليم، انظر: د.تركي رابح، المصدر السابق، ص 422.

[3]  محمد علي دبوز: نهضة الجزائر...، المصدر السابق، ج2 ص 229 وما بعدها؛ & محمد ناصر بوحجام، ''الجمعيات الخيرية ... ''، المقال السابق، ص 52.

[4] رصيد م، ش، ع، ح: ملف Rapports  رقم 24 ؛ وA.O.M. 10H88، Rapport annuel 1937, p p 49 - 55

[5] محمد علي دبوز، نهضة الجزائر...، المصدر السابق، ج2 ص 229 وما بعدها؛ & محمد ناصر بوحجام، الجمعيات الخيرية ... المرجع السابق، ص 52.

[6]  ر.م.ش.ع ح ملف Islah رقم /1312/ القانون الأساسي لجمعية الإصلاح، 4 صفحات.

[7] طلبت الرخصة في بادئ الأمر باسم السيد بغباغة باحمد بن حمو  بدلا من رئيس الجمعية الشيخ صالح بابكر الذي اعتذر إذ لم يكن دائم الاستقرار بالبلد وبعد المداولة في الشأن رأت إدارة الإصلاح أن من الأنسب ترشيح شخص على أن تودع معلومات عنه لدى شيخ المسجد لتزكيته على أنه كان تلميذا عنده. وشيخ المسجد هو  الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى خريج معهد الشيخ امحمد اطفيش، فإضافة إلى نفوذه، كان يحظى بمقام لدى سلطة الحكم باعتباره صهرا للقائد.وفي غضون ذلك تقدم للمهمة رئيس الجمعية نفسه وعهد إلى شاهدين لتزكيته لدى قائد البلد، واجتمعت التزكيتان في ملف المرشح.، انظر :حمو بن عمر فخار، إبراهيم بن بابا بوعروة، المصدر السابق، ص.23

[8]  نفسه، ص23.  

[9] هما صالح بابكر مدير المدرسة وبابا بن إبراهيم بوعروة.

[10] حمو بن عمر فخار، المرجع السابق، ص23-25. .  

[11]رصيد م، ش، ع، ح، ملف مراسلات 1/36. "مراسلة سرية من رئيس ملحقة غرداية إلى القائد العسكري لإقليم غرداية بالأغواط" تحت موضوع Association djemaiet el Islah مؤرخة في 27 مارس 1936، ص3

[12] رصيد م، ش، ع، ح ملف Rapports  رقم 24, Territoire de Ghardaïa, Rapport annuel 1937

[13] رصيد م، ش، ع، ح ملف Rapports  رقم 26 Rapport annuel1938,Territoire de Ghardaïa,

[14] رصيد م، ش، ع، ح، ملف Rapports رقم ,Territoire de Ghardaïa. 28  Rapport annuel 1941.

[15]- الشيخ عدون، الحياة العلمية بالقرارة في جيل، (مخ)، ص 31؛ & محمد ناصر بوحجام، المرجع السابق، ص 53.

[16] محمد علي دبوز، المصدر السابق، ج3، ص 148.

[17]  ر.م.ش.ع ح ملف Enseignement  رقم 13/1312 محضر جلسات جمعية الإصلاح 1937. ص 30-31.

[18] د. محمد لعساكر، ''جهاد الإمام الشيخ بيوض بين الإنصاف والإجحاف''، كتاب الملتقى الأول حول فكر الإمام الشيخ بيوض، نشر جمعية التراث القرارة، 2002،  ص 56-57، نقلا عن جريدة الشهاب.

[19] الشيخ القرادي، حياته وآثاره، الحلقة الأولى، تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة العطف 1990، ص 182-183.

[20]  هو الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي المدعو الشيخ عدون (1901-2004)

[21]  رصيد مكتبة الشيخ عبد الرحمان ح ملفEnseignement رقم 1/1342 تقرير تفتيش مدارس التل لسنة 1384 هـ/1955.

[22] رصيد مكتبة الشيخ عبد الرحمان حواس ملفEnseignement، رقم 2/1342 تقرير المفتش لمدارس الإصلاح بميزاب والتل في 15- ماي 1963.

[23] عبد الحميد بن باديس،  ''ماذا في الجنوب: اندجينا جديدة بعد 108 سنوات''، البصائر، ع.13 ماي 1938.

[24] محمد  الهادي الحسني، المرجع السابق، ص 30-31.

[25] الشيخ القرادي.حياته وآثاره، تقديم د. محمد ناصر، نشر جمعية النهضة، العطف، 1990،ص123.

[26] د.سعد الله، المصدر السابق،  ج 3 ص 257.

[27]  ر.م.ش.ع ح ملف Islah رقم 2/1312/، رسالة موجهة إلى الوالي العام للجزائر مؤرخة في 12/11/52، ورقة رقم1، الوثيقة لها نسختان، فرنسية وعربية.

[28] د.تركي رابح، المرجع السابق، ص .253-254

[29] النجاح عدد 19/09/1921م؛ & د. محمد ناصر، مفدي زكرياء...، المرجع السابق، ص8، & حمو عمر فخار، بوعروة...، المصدر السابق،  ص43-44.

[30]  محمد على دبوز، المصدر السابق، ج2، ص 232-233.

[32]  رصيد م.ش.ع.ح، ملف Enseignement رقم 2/ 1342، المصدر السابق، & رقم 4/1342 تقرير وتفتيش مدارس الإصلاح في الجنوب وفي الشمال 25 مارس، أفريل 1978.

أضف تعليقا