كلّنا محمّد صلى الله عليه وسلم

خواطر وتأملات
سليمان بن قاسم بكوش - الإثنين 2 فيفري 2015
كلّنا محمّد صلى الله عليه وسلم

 

 

في 30 سبتمبر 2005 قامت صحيفة يولاندس بوستن الدانماركية بنشر 12 صــورة

 

كاريكاتيرية تدّعي أنّها للرسول صلى الله عليه وسلّم وبعد أقل من أسبوعين وفي 10

 

جانفي 2006 قامت الصحيفة النرويجية Magazinet والصحيفة الألمانية دي فيلت

 

والصحيفة الفرنسية France Soir وصحف أخرى في أوروبا بإعادة نشر الصور

 

الكاريكاتيرية.

 

وتعاد الكرّة مع مجلّة شارلي إيبدو الفرنسيّة السّاخرة في 07 جانفي 2015، ممّا أعقب ذلك هجوما مسلّحا أودى

 

بحياة اثني عشر شخصا من بينهم رئيس التحرير وعدد من الرسّامين الكاريكاتوريّين، ثمّ توقّفت عن العمل لتستأنف

 

أوّل إصدار لها يوم الأربعاء برسم ساخر لما تراه الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وطبع في ذلك اليوم وحده ثلاثة

 

وقيل خمسة ملايين نسخة. مترجمة إلى ستّة عشر لغة.

 

وانطلقت يوم الجمعة 16 جانفي 2015 العديد من المظاهرات في عدّة مدن عربيّة وإسلاميّة كالجزائر والأردن وسوريا

 

والنّيجر وفلسطين وتونس ومصر، وإيران وموريتانيا، ورفع الجزائريّون شعار «كلّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ».

 

والمستطلع لآراء بعض المثقّفين في السّاحة الإعلاميّة يجدهم بين مؤيّد لهذه الشّعارات المليونيّة محبّذ لها ومفسّر

 

إياها بكونها رأس المحبّة الّتي حثّنا عليها المعصوم صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الّذي رواه البخاري عن أنس:

 

«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والنّاس أجمعين»، بينما يزعم قسم آخر أنّ التعلّق بالشعارات

 

أمر أقرب إلى التفاهة لأنّ نصرة النّبي صلّى الله عليه وسلّم تكون باتّباع سنّته، وترك مناهيه، وقصد أوامره، وأنّ

 

الشّعارات المرفوعة إنما هي دعاوى زعم لا يثبتها دليل ولا واقع، بل التّخلّف الّذي تقبع فيه الأمة الإسلاميّة اليوم

 

لشاهد حي على زور ما يُرفع من لافتات وماكتّات.

 

وتفنيد هذا الكلام لا يحتاج إلى كبير جهد، لأنّ طلبة العلم يعرفون بأنّ الإسلام كلّه، إما مقدّسات كالقرآن والصّلاة

 

والعلم، وإمّا ما يذكّر بهذه المقدّسات وهي ما يسمّى في لغة القرآن بالشّعائر في قوله تعالى: «ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ

 

اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ»-الحج32- فالأذان يذكّرنا بالصّلاة، ولباس المدرسة يذكّرنا بالعلم، وخيط المسبحة يذكّرنا

 

بالتسبيح والتهليل وذكر الله تعالى.... وأوّل من أولى عناية بهذه الشّعارات هو صاحب الروضة بأبي هو وأميّ صلّى

 

الله عليه وسلّم، فالمطالع لحنايا سيرته النّديّة يرقب ذلك بوضوح:

 

1-كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يعقد الرّايات لكلّ قبيلة تقاتل معه، وروى ابن عساكر-في تاريخه- أنّ النّبي صلّى الله عليه

 

وسلّم يوم غزوة تبوك –رجب 9هـ- وقد كان معه ثلاثون ألف مقاتل، أمر كلّ بطن –حي- من الأنصار أن يتّخذ راية -ما يشبه

 

العَلَمَ اليوم- أو لواء يقاتل تحته.

 

2-كان الصّحابة يتّخذون شعارات لهم، فشعارهم في غزوة بدر: «أحدٌ أحدٌ»، وكان شعارهم في غزوة أُحُدٍ «أَمِتْ أَمِتْ»، وشعارهم

 

في غزوة الخندق «حم ثمّ لا ينصرون»، وشعارهم في معركة اليمامة «وامحمّداه».

 

3-كان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يميّز أصحابه عن غيرهم في اللّباس، فأرشد بإعفاء اللحية وقصّ الشارب وحبّب لُبْسَ البياض

 

وقال: «البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم»-رواه الترمذي: حسن صحيح- والتّطيّب و تحسين الشّعر وقال:

 

«من كان له شعر فليكرمه»-رواه أبوداود- وهذه كلّها من الشّعارات في اللّباس.

 

4- سنّ لنا النّبي ما سمّي في الفقه بسنن الفطرة، وهي ليست بأشياء واجبة، ولكنها شعار على الهيئة العامّة للمؤمن وكان منها:

 

السّواك، وقصّ الأظفار، وتخضيب الشّيب، وغسل البراجم –مؤخّرة اليد-.

 

5- وأرشدنا المعصوم إلى شعارات حركيّة تفعل في العبادات وليست بجزء منها، فحثّنا النّبي الأعظم في صلاة الاستسقاء، أن نحوّل

 

ردائنا ولباسنا –أي نأتي بالجهة اليمنى إلى اليسار- تفاؤلا بتغيّر المناخ إلى الأحسن، وفي الحديث: «وحوّل ردائه ليتحوّل القحط»

 

-رواه الدارقطني-

 

والكلام في هذا يطول والشّواهد فيه تترى، وكلّها مجمعة على كون ما يتّخذ اليوم من لافتات مكتوبة أو مرسومة أو كلمات مسموعة

 

تحاول ربطنا بحبيبنا وتذكيرنا بسرمد الهدى وعسجد الدجى صلّى الله عليه وسلّم ليست من البدع المذمومة، فقد كان الشّاعر العربي

 

قديما يحب مربض -منزل- زوجته، وتهفو نفسه إلى واد في الصّحراء لا لشيء إلا لأّنه سمع بأنّ خليلته قد مرّت من ذلك المكان

 

فيقول:

 

إلا إنّ واد الجزع أمسى ترابه.......من المسك كافورا وأعواده رندا

 

وما ذاك إلّا أنّ هندا عــــــــشيّة.......مشت وجرّت في جوانبــــه بُرْدَا

 

فأولى من هذا أن يتيه المسلم في أي معنى له بالحبيب صلّى الله عليه وسلّم صلة تأوي إليه، أو عبارة تدلّ عليه، لفرط تعلّقه به،

 

والأمل اللّاعج يدفعه إلى الرّجاء اليومي بأن يضع على رأسه الغبار الّذي يتناثر من قدمه الشّريفة صلّى الله عليه وسلّم.

 

ولكنّ ما يثير حيرة العاقل اللّبيب والمتأني الأريب، حين يتأمّل في هذه الانتفاضات فيرى حماس أصحابها الشّديد والّذي قد يقرأ في

 

وجوه الكثيرين منهم، بأنّ ما أسيء به للنّبي الأكرم صلّى الله عليه وسلّم كأنّه جديد من نوعه، أو حديث في عصره، وأنّ هذا الزّمان

 

هو أرذل الأزمنة إذ فيه –دون غيره- تجرّأ الخلق على النّيل من سيد الخلق صلّى الله عليه وسلّم. ولكن هل هذا الكلام صحيح؟؟؟

 

إنّ من يخطر بباله مثل هذه الأفكار أولى بأن يوسم بأنّه بعيد عن كتاب ربّه الكريم قراءة وتدبّرا، فالقرآن الكريم يصف لنا أنواعا

 

من الإذايات والنّكايات الّتي صبر عليها صلّى الله عليه وسلّم: فوُصِفَ بأنّه كاهن في القرآن مرّتين وبأنّه ساحر مرّتين وبأنّه شاعر

 

4 مرّات وبأنّه مجنون 7 مرّات، وبأنه ينتحل القرآن من غيره، وبأنّه أُذُنْ، وأنّه صابئ، وقد ذكر هذا في كلّ من سورة يونس،

 

والدّخان، التّوبة، النّحل، الأنبياء، والطور، والحاقّة. وهنا يأتي السّؤال المفتاح لهذه القضيّة الجوهريّة.........

 

لماذا خلّد القرآن الكريم هذه الأوصاف –القبيحة- مع أنّها انتقاص من ذات المعصوم صلّى الله عليه وسلّم؟؟؟

 

من عادة القرآن والّذي هو كتاب ربّنا الخاتم ومعجزة نبيّنا الباقية، أنّه لا يهمل التفاصيل كما أنّه لا يعرّج على سفاسف الأمور

 

وما لا فائدة فيه، فكلّ ما فيه، موضوع موضع الحكمة المنزّلة من الحكيم. فلذلك لم يخش القرآن بعرضه مثل هذه الأوصاف إزراء

 

بمقام النبوّة أو تأثيرا لشخص المعصوم صلّى الله عليه وسلّم في أعين أتباعه، بل كان ذلك العرض بمثابة الحدث التاريخي الّذي

 

يظلّ مذكّرا لنا وشاهدا على شيء يعتبر قاعدة مقدّسة في الحياة ألا وهو: لا بد للانتصار من مدافعة، ولا بدّ للنّجاح من مغالبة،

 

ولا شكّ فيمن احترقت بدايته أن تشرق نهايته، فكان ما ذكره القرآن من نعوت للنّبي ليست إساءة لشخصه الشّريف العفيف،

 

 

بل كان ذلك عرضا لسيرة أكبر النّجاحين في العالم، وتأريخا لمرحلة من مراحل صنعه للمجد وكتابته لحروف الوفاء الخالدة على

 

صفحات حياته.

 

لقد كانت تلك النعوت المسيئة للرّسول، مع محبّته صلّى الله عليه وسلّم، مع رفع الشّعارات المظهرة لذلك، الوصفة المباركة الّتي

 

أيقظت المسلمين في غير ما وقت مانحة إيّاهم مفاتيح النّصر البهيج، و لعلّ هذا عين المعنى الّذي جعل: الصّحابي الطّفل «معوّذ»

 

وعمره 13سنة يقتل أبا جهل قائد جيش المشركين ويقول: (لقد سمعته يشتم النّبي صلّى الله عليه وسلّم)، ويكون ذلك فاتحة النّصر

 

على المسلمين في غزوة بدر الكبرى.

 

فليس على المسلم أن يرى ما صنعته تلك المجلّة الفرنسيّة إذلالا له، أو حطّا من قيمة الإسلام لأنّ هذه المشاعر تضعف المسلم

 

وتهوّنه في نفسه وذلك عكس ما كان يحبّه المعصوم صلّى الله عليه وسلّم من كون «المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن

 

الضّعيف» -رواه مسلم-، بل حريّ بالفرصة السّانحة الآن أن تلوح بين ناظري كلّ مسلم معلنة نهاية عصر التخلّف في نفوس

 

المسلمين وواقعهم، وأن يعقدوا بداية الشّعار العملي لعصر النّهضة والتّمكين وأنّ ذلك ليس عقابا من الله بقدر ما هو تذكير لنا

 

ومد يد الانتشال والنجدة من أوحال الانحطاط والانبطاح. ودفعٌ لتحقيق رغبة نبيّنا الأكرم والذّي كان يريدنا أن نكون زرّاع الجمال

 

في كلّ ميادين الحياة، ولعلّ ما رواه البخاري في صحيحه يعطينا إشارات واضحة على ذلك: «بينما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

 

يمشي إذ مرّ على بستان من أروع البساتين وأجملها وعجوز أمامه جالسة، فسألها: من صاحب هذا البستان، أمسلم هو؟ فقالت: نعم

 

يا رسول الله، فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبان وجهه كفلقة القمر ليلة التمام».

عودة إلى القائمة

التعليقات 1

أم صفاء الأحد 03 ماي 2015 - 17:36

جزاكم الله كل خير ،اللهم صل وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد

إضافة تعليق