على الباغي تدور الدّوائر والله لصاحب الحقّ ناصر

مواعظ وعبر
د. محمّد بن قاسم ناصر بوحجّام - الإثنين 21 جويلية 2014
على الباغي تدور الدّوائر والله لصاحب الحقّ ناصر

 

 

 

    سألني ولدي: هل يقتل المؤمن؟ قلت: لا، ( وَما كانَ لِمُومِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُومِنًا إِلاَّ خَطَأً...)

 

- النّساء / 92 - ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُومِنًا متعمِّدًا فَجزاؤُهُ جَهنَّمُ خالدًا فيهَا وَغَضِبَ اللهُ عليْهِ وَلَعَنَهُ

 

وَأَعَدَّ لَهُ عذابًا عَظيمًا) - النّساء/ 93 -. ثمّ قال لي: هل يغدر المؤمن؟ قلت: لا، هل يظلم؟

 

هل ينهب أموال النّاس؟ هل يستحلّ دماءهم؟ هل يهتك حرماتهم؟ هل يعيث في الأرض فسادًا؟

 

هل يعبثُ بحقوق النّاس؟ هل يروّع إخوانه في الدّين؟ هل يتعدّى حدود الله؟...بُنيّ! إنّ العبد لا يرتكب هذه الآثام إلاّ إذا فقد إيمانه،

 

كما أَخبر رسولنا عليه الصّلاة والسّلام. قلت له: لماذا تسأل هذه الأسئلة الغريبة، التي تقشعرّ منها الأبدان، وتطير بها الأفئدة،

 

وتتألّم منها النّفوس؟.. قال لي: وجدت تناقضًا بين ما أجبتني به وما يحدث في غرداية: نفوس تزهق، وأموال تنهب، وممتلكات

 

تخرّب، ومعالم تهدّم، وحرمات تستحّل، وصبية تروّع، ونساء تفجع...يقوم بهذا من يُحسَبون على الإسلام، ومن يزعمون أنّهم

 

مؤمنون..

 

   يا بُنيّ! دع عنك هذا الزّعم، ولا تغترّ بالمظاهر، فإنّ الإيمان ما وقر في الجَنان ونطق به اللّسان، وبرز في الميدان، كما أمر ربّ

 

كلّ الأديان. يا بُنيّ! لا يفعل هذا إلاّ شخص فاقد الإيمان، عديم الإحساس، مصنوع من غير طين الفطرة التي فطر الله النّاس عليها.

 

حتّى ولو خلق عليها، فإنّه بما يأتي من المنكرات يكون قد ابتعد عنها، وأخلّ بما تدعو إليه وتقتضيه؛ من حسن الخلق، وسلامة

 

القلب، وصلاح المخبر والمظهر، وحسن المعشر، وما تأمر به من البرّ والإحسان المطلقين مع كلّ البشر، وما تدفع به من العدل

 

والإنصاف، وما ترشد به: من اتّقاء الوقوع في أعراض النّاس، والتّعدّي على حقوقهم، وما تطلبه من الرّأفة بالخلق، وعدم التّجاوز

 

على الحقّ، وما تقضي به من التنزّه عن الحسد والحقد، والبغض والكره، والتخلّي عن الضّغن وفعل الشّرّ، والتّحلى - بدل كلّ

 

ذلك - بروح الأخوّة والتّسامح والصّفح والعفو، وملء القلب بالإيمان والتّقوى التي تقي من ارتكاب الشّرور والآثام..

 

   قال لي: هذه المعاني غابت في أحداث غرداية، وابتعدت عن آيات الله وسادت بدلها آيات شيطانيّة مناقضة لنور الكتاب المبين

 

والهدي النّبوي الشّريف. لقد تمادى أصحابها فيما ينقض ما تبنيه الفطرة. قلت له: اعلم أنّ الإيمان بعيد عن هذه النّفوس

 

الشّرّيرة، والتّقوى لا مكان لها في قلوب هؤلاء المخالفين لشرع الله. فهم الظّالمون الذين وصفهم الله عزّ وجلّ بقوله: ( اسْتَحْوَذَ

 

عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلاَ إنَّ حزبَ الشَّيْطان هم الخاسِرون ) - المجادلة/ 19 -، ورسولنا الكريم

 

يقول لنا: المسلم من سلم النّاس من يده ولسانه، ويحذّرنا من الوقوع في ظلم المؤمنين، ومن الولوغ في أعراضهم: المسلم على

 

المسلم حرام دمه وماله وعرضه.

 

   إذا زاغت العقيدة واختلّ الإيمان، وشوّهت الفطرة، وانْحُرِفَ بها عن سواء السّبيل..فترقّب كلّ شرّ، وانتظر كلّ منكر. ما يمنع من

 

الإثم هو الحياء من استحلال حرمات الله، ومن محادّاته في أوامره ونواهيه. والحياء من الإيمان، وإذا لم تستحْيِ فاصنع ما شئتَ.

 

 يقول مفدي زكريّاء المطعون في وطنيّته من خفافيش الظّلام، ومن أدعيّاء الوطنيّة المزيّفة:

 

هُوَ  الدِّينُ  يغمُرُ  أرواحنـــــــَا       بِنورِ  اليَقين،  ويُرسي  العدالـــــه

 

إذا الشَّعبُ أَخْلَفَ عهْدَ  الإلَــــه       وخان  العقيدةَ،  فارقُبْ  زوَالــــــه

 

 

   فلينتظر هؤلاء عقاب الله الشّديد الذي سلّط على من سبقوهم من الطّغاة، المتمادّين سنين، وليس أيّامًا وشهورًا، والمغرورين بما

 

أوتوا من قوّة وبأس شديدين، وما يمتلكون من بطش و ...فكانت النّتيجة سخط الله وعقابه الشّديد على من هم في زمرة فرعون

 

وهامان، ومن هم من طينة ثمود وعاد إرم ذات العماد، الذين أخبر الله جلّت قدرته، وعزّت نقمته عنهم وعن مصائرهم ومصارعهم:

 

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَل رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ العماد التي لم يُخلَقْ مثلُها في البلادِ وثمودَ الذين جابُوا الصّخرَ بالوادي وفرعونَ ذي الأوتاد

 

الذين طغَوا في البلاد فَأَكْثَرُوا فيها الفسادَ فصبَّ عليهمْ رَبُّكَ سَوْطَ عذابٍ إنّ ربَّك لبِالمِرْصاد) - الفجر/ 6 - 14 - وقال: ( قُلْ سيرُوا

 

في الاَرْضِ فانْظُرُوا كيفَ كان عاقبَةُ المُجرمينَ وَلاَ تَحْزَنْ عليْهِمْ ولاَ تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمَّا يِمكُرون ) - النّمل/69 و70 -.

 

    قال لي ولدي: هل ما فعله هؤلاء الأغرار الأشرار في غرداية هو فساد وطغيان وإجرام؟ هل هو من شاكلة عمل فرعــون

 

وأضرابه ممّن قصّ علينا الله تبارك وتعالى أفعالهم الشّنيعة في القرآن الكريم. قلت: هو من طبيعة تلك الفِعال الدّنيئة. إذن فعقابه

 

لهم بالمرصاد، نعم وألف نعم، فوعيد الله لا يتخلّف، ووعده لنصرة المظلومين والمؤمنين المحتسبين الصّابرين صادق ومحقّق.

 

فهو القائل: (...وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فقّد جَعَلْنًا لولِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ في القِتْلِ إنَّه كانَ منْصُورًا) - الإسراء/ 33 - وقال: ( إنَّا

 

لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والذّينَ آمَنُوا في الحياةِ الدُّنْيَا ويومَ يقُومُ الاَشْهادُ يومَ لا ينفعُ الظّالمين مَعْذِرَتُهُم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)

 

- غافر/ 51 و52 -. تذكّر قول مدبّر هذا الكون، والرّقيب على أفعال العباد والخبير بما تكنّه الصّدور وما تأتيه النّفوس من

 

شرور، والدّوافع التي يدفع بها الغَرور إلى ارتكاب الآثام: ( إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يفرَحُوا بهَا وإِنْ

 

تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شيْئًا إنَّ اللهَ بِما يعملون مُحيطٌ ) - آل عمران/120 -.  لقد غفل هؤلاء الظّالمون عن قوله عزّ

 

وجلّ: ( واتَّقُوا يومًا تُرْجَعُون فيهِ إلى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كسبَتُ وهُمْ لا يُظْلَمونَ ) - البقرة/ 281 -.

 

   قال لي ولدي بعد هذا الحديث الطّويل: دعنا من هذا كلّه، فقد فهمت حقيقة ما يحدث في غرداية، ووعيت طبيعتها، وأدركت

 

أسبابها وأبعادها، واقتنعت بأنّ نهاية الظّلم وشيكة، وأنّ عاقبة الطّغاة الجناة البغاة وخيمة، بارك الله فيكم..قل لي ما العمل مع هذه

 

المأساة؟؟ سؤال مهمّ بُنَيّ، هو بيت القصيد، ومربط الفرس، ولبّ التّفكير السّليم، وأسّ العمل المفيد المثمر المنتج.  

 

  إنّ العاقل من يعتبر بالأحداث، ويخرج منها ظافراً بما يعينه على تجاوز أخطائه، وإقالة عثراته، وتصحيح مسيرته، وتنظيــم

 

شؤونه، ومن يجتهد في البحث عن الأسباب التي تساعده على بناء نفسه، وتشييد بنيان مجتمعه على أسس صحيحة. إنّ الكيّس

 

هو من يثبت في الميدان، معتزًا بشخصيّته، متمسّكًا بمبادئه، مستمسكًا بغرز إخوانه، متحصّنًا بقواعد البناء الحضاري للحــيــاة

 

السّويّة، ملتفًّا حول مؤسّساته وهياكله وهيئاته التي ركّزت فيه عقيدته، وسقته بفكر نيّر، ولقّنته أصول العمل الجماعي، الذي يوقه

 

كثيرًا من شرور من أراد استئصال هذه الدّعامة المحوريّة في حياته؛ ليقضيَ عليه وعلى وجوده..

 

   عليك بنيّ بالصّمود أمام كلّ مؤامرة تستهدفك في أّيّ مجال من مجال حياتك وتمسّ شخصيّتك، فإنّ صاحب المــبــادئ الثّابتة،

 

وصاحب القواعد الرّاسخة في العمل، وصاحب الإرادة الصّلبة في تحدّي كلّ المخاطر..ينتصر على الباغي والحسود والحــقــود

 

والمتآمر... مهما يظهر من بأس وبطش، ومهما يملك من قوّة ووسائل، وسند ومدد وعدد، ومهما يَطُل أمد طغيانه، ويمتدّ حبل

 

سلطانه..فالحسد ينخر صاحبه من داخله، والحقد يصيبه في مفاصله، والمؤامرات تأتي على كلّ طاقاته، والغشّ والخداع والغدر

 

والخيانة... تبدأ بصاحبها فتنقلب عليه..

 

  فالثّباتَ الثّباتَ في الميدان، والتّمسّكَ التّمسّكَ بالمبادئ، والتّعلّقَ التّعلّقَ بأسباب النّصر الذي يأتي من عند الله الحنّان المــنّــان،

 

والرّجوعَ الرُّجوعَ  إلى الله: في المعتقد والسّلوك والمعاملة.. فما خاب من بالله استجار، وما ضاع من بنور الله استنار.

 

   بُنيّ! لا تفرّط في حقوقك، ولا تتأخّر عن الدّفاع عن نفسك، وردّ كلّ عدوان مهما يكن نوعه ومصدره، حافظ على تراثك، فـهــو

 

مصدر قوتّك وحياتك، وضمان وجودك. اقرأ تاريخك واستوعب ما بين طيّاته من مقوّمات شخصيّك، واستلهمه في تخطيط مسيرك،

 

واسترفده في تنظيم شؤونك، واسْتذكرْه لتأمين مصيرك.

 

   في تاريخك معالم، حذار ثمّ حذار الزّهدَ فيها، مهما يكِدِ الكائدون، فهي لك معاقل تحميك مهما يتآمر المتآمرون، وتنجيكَ مهما يفعل

 

الحاقدون، وهي لك محاضن تحتضنك، لتنشأ على سَنَنِ من سبقك، فليخسأ الحاسدون. فإنّ الحسود لا ينجح ولا يسود، هو يحـتـرق

 

بالنّار ذات الوقود؛ لأنّه يتحدّى إرادة ربّ الوجود، فبشّره بما قال الشّاعر وبلّغه رسالته، التي هي له وعيد:   

 

أَيَا  حاسِدًا لي  علَى نِعْمَــــــــــــــــــتِي          أَتَدْرِي  علَى مَنْ أَسَــــــأْتَ الأدَبْ

 

أَسَأْتَ على الله  في حُكْمِـــــــــــــــــــــه          لأّنَّكَ  لَمْ تَرْضَ لي ما  وَهَــــــــبْ

 

فأخْزاكَ   ربِّي بأنْ   زادَنـــــــــــــــــــِي          وَسَدَّ  عنْكَ  وُجوهَ  الطَّلَــــــــــبْ

 

 

   في هذا الفعل محادّاة لله المهيمن المتكبّر الجبّار، الذي أوعد محادّيه بالذّلّة والصّغار، فهو القويّ العزيز القهّار، إنّهم هم حــزب

 

الشّيطان الخاسرون: ( إنَّ الذين يحادُّون اللهَ ورسُوله أُولئِكَ في الاَذَلِّين كتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ وأَنَا َرُسُلِي إنَّ الله قوِيٌّ عزيزٌ ) - المجادلة

 

/ 20، 21 - وما للظّالمين من أنصار..

 

   تذكّر بُنيّ! قول أحد أساطين تاريخك المجيد الذي حسدك فيه مرضى القلوب، والذي اكتوى منهم بنار الحسد والحقد حيًّا وميّتًا،

 

الشّيخ إبراهيم أبو االيقظان. فلم يُبالِ بما ناله من ذلك، ومضى في عمله، ويستمرّ خلفه في دربه. والقافلة تسير... والرّكب يحثّ

 

الخطى...لم تَجِدْ نارُهم ما تأكل من جسده وروحه، فأكلتهم من داخلهم، وستأكل كلّ من يسير في طريقهم، (وكلّ من سار على الدّرب

 

وصل) ليصطلى بناره التي يوقدها، وحرّ الفتنة التي يوقظُها.: " لقد عوّدتنا الحوادث أنّ في طيّ المصائب تنبت بذور المشاريع

 

الكبرى، ولا ينبت فيها شيءٌ في ظلال الأمن والرّخاء والاطمئنان، وإن نبتَ شيءٌ فيها فسرعان ما يتلاشَى ويتساقط؛ لأنّه لا يجدُ ما

 

يغذِّيه من مقوِّمات الحياة."

 

   إقرأ بُنيّ! وتدبّر وفكّر واعتبر، ودَبِّرْ أمرك، ونظّم شؤونك، وامضِ حيث تفكّر وتخطّط، فلا تتأخَر، وسر حيث تقصد ولا تـتـوقّف،

 

واصمد ولا تستسلم. واعزم وتوكّل... وَ:

 

خذ  للحياة  سلاحهـــــــــــــــــــــــا  وخُضِ الخطوب ولا تهَـــــــــــــــــبْ

 

قالها أحد روّاد نهضتنا الحديثة الشّيخ عبد الحميد بن باديس. ومثل ما قال شيخ الصّحافة الجزائرية الشّيخ أبو اليقظان:

 

إَنَّما  الدّنيا جِهادٌ   منْ ينَـــــــــــــمْ      يَوْمَهُ، داسَتْهُ أَقدامُ الرَّزايـــــــــــــــا

 

     إنّ ما ابتُليتَ به بُنيّ! أنت وإخوانُك في أرضك وتراثك وتاريخك، وفي مقدّراتك وذخائرك...هي رزايا، إن لم تصُكُّوها وتدفعوها
 
بإرادة ويقظة وإفاقة وتصميم وتخطيط، وإن لم تهجروا من أجلها النّوم والكسل والتّخاذل والتّفرّق و... لتُنْبِتُوا مشروعات كــبـرى،
 
تسنُدون بها ما ورثْتُم من مشروعات، أريد لكم أن تُعدم، فينعدم وجودكم.. إن لم تفعلوا ذلك داستكم هذه الرّزايا، وأصبحتم كهشيم
 
المحتظِر...   
 

   نسأل الله الصّلاح في الولد والسّلامة في الجسد والعافيّة في البلد. وفّقنا الله إلى ما يحبّه ويرضاه، وهدى الضّالين المضلّـيـن إلـى

 

الإنابة والتّوبة، والكفّ عن الظّلم والتّعدي على حقوق النّاس، وردّ المظالم إلى أهلها.

عودة إلى القائمة

التعليقات 0

إضافة تعليق