بناء مفهوم الله عزّ وجل عند الطّفل حسب النظرية المعرفية لجان بياجيه (04-08 سنوات).

التربية
أبي سحابة يمينة بنت صالح - الأحد 14 أكتوبر 2012
بناء مفهوم الله عزّ وجل عند الطّفل حسب النظرية المعرفية لجان بياجيه (04-08 سنوات).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.

أساتذتي الأجلاء، أخواتي الطالبات، إخواني الكرام، أيها الجمع المبارك. سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته.

وبعد

إن أمتنا الإسلامية اليوم في حاجة إلى نهضة شاملة في كل المجالات لتتصدر ركب الحضارة ولتحقق الاستخلاف الحقيقي في الأرض.

ندعو الله تعالى أن يساهم هذا العمل المتواضع في إعلاء صرح هذا المشروع، وأن يكون لبنة من لبنات بنيانه الشامخ العظيم.

يتناول هذا البحث كيفية تطور وانبناء مفهوم "الذات العلية لله عز وجل" في أذهان الأطفال أثناء نموهم المعرفي وفق المراحل التي جاء بها العالم السويسري "جان بياجيه" في نظريته المعرفية. فقد استطاع بياجيه أن يثبت من خلال تجاربه وملاحظاته أن الأطفال يمرون بمراحل فهم وإدراك متفاوتة تنمو وتتطور مع تقدمهم في العمر.

ومن النتائج التي توصل إليها جان بياجيه وبنى عليها نظريته المعرفية أن الطفل في مراحل عمره الأولى يستطيع فهم واستيعاب الأشياء الحسية فقط وهذا من خلال حركته وتعامله مع ما تستقبله حواسه من بيئته المحيطة به. أما الأشياء المجردة فلا يستطيع استيعابَها إلا في المراحل المتقدمة من عمر الطفولة.

ولإسقاط هذه النظرية على أطفال مجتمعنا الإسلامي نحاول قياس مدى تصور "الذات الإلهية" في ذهن الطفل مع أنها تصورات يصعب على الأطفال استيعابَها قبل سن الحادية عشر –حسب هذه النظرية-، فهي مفاهيم مجردة غير حسية

أسباب اختيار الموضوع:

من الأسباب التي أدت إلى اقتحام هذا الموضوع أنه من خلال الدروس النظرية لمادة علم النفس التي تلقيناها في أقسام الكلية أن "جان بياجيه" عندما تحدث في نظريته المعرفية عن بناء المفاهيم أشار إلى المحسوسات والمجردات، وعلاقتها بالعقل وما يقوم به من تحليل وتصنيف وتركيب. وكل هذه العناصر هي مخلوقة. في حين أنه لم يتطرق إلى خالقها، فلم يعالج المفاهيم الغيبية العقدية كمفهوم الذات العلية للخالق سبحانه وتعالى كما يتصوره المسلمون.

في حين أننا تصادفنا – نحن المربون- بعض المواقف من قبل الأطفال لا نجد لها تفسيرا علميا واضحا، كأن يطرح الأطفال أحيانا أسئلة حول ذات الله تعالى أو عن بعض الأمور العقدية الغيبية. فتثير تساؤلاتهم فضولا للبحث عن مدى استيعاب هؤلاء الأطفال لهذه المفاهيم الغيبية، مع أننا نعلم بأنها صعبة الإدراك في سنهم؛ وهذا حسب النظرية المعرفية لبياجيه.

إن موضوع بناء وتطور مفهوم "الله عز وجل" في عقل الطفل في المراحل الأولى من حياته، يعد من المواضيع التي تتطلب اهتماما ودراسات من قبل الباحثين والمشتغلين في حقل التربية.

فنحن لا نجد في تراث الفكر الإسلامي الكثير من النصوص التي تتحدث عن الطرق العملية التي تمكننا من جعل الطفل يكتسب المفاهيم العقدية. فأغلب من تحدث في هذا الموضوع يركز على وجوب تدريس العقيدة للأطفال، لكنهم لا يذكرون الآليات والمناهج العلمية التي يكون معها التلقين ناجعا.

إن لغير المسلمين رؤيتهم الكونية التي تتسم بالمادية أو تستند إلى نصوص دينية غير النصوص التي تستند عليها نظرتنا. وبالتالي فإن كل ما يأتي به الغربيون يتحيز بالضرورة إلى نظرتهم الكونية. في حين أننا نحن نلتزم بالمبادئ التي أوحاها الله إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. فعلينا التعامل بوعي مع ما نستورده من علوم (حتى التجريبية منها)، كي لا نتأثر بخلفيتهم المعرفية الكامنة في نظرياتهم وقوانينهم العلمية.

أسئلة الإشكالية:

يتبادر إلى أذهاننا كموحدين مسلمين ، في هذا الإطار عدة تساؤلات منها:

- كيف يستطيع الأطفال دون سن إدراك المفاهيم المجردة (حسب جان بياجيه) أن يستوعبوا وجود الله تعالى وكل ما يتعلق بذاته العلية من توحيد للربوبية والألوهية وصفات وأسماء ؟.

- هل إدراك وجود الله عز وجل وكل ما يتعلق بذاته العلية يعتبر من المفاهيم المجردة ؟، فإذا كان كذلك فلماذا يدرك الأطفال بعض هذه المفاهيم في مراحل نموهم المبكرة ؟.

- هل هذا الإدراك يرجع إلى قصور في النظرية المعرفية لجان بياجيه أم توجد آلية أخرى من خلالها يُدرَك وجود الله خلاف ما تدركه الحواس والعقل.

- هل الأبعاد الرئيسية والفرعية المكوِّنة للدرجة الكلية لمفهوم "الذات الإلهية" تتشكل في وقت واحد في عقل الطفل، أم تمر عبر مراحل متفاوتة؟.

طُرحت إشكالات في الجانب التطبيقي من البحث من خلال أسئلة المقياس بكل أبعاده الرئيسية والفرعية وإجابات أطفال الفئتين عليها. هي:

1 - هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئة الأولى (4-5 سنوات) وأطفال الفئة الثانية (7-8 سنوات) للدرجة الكلية لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة باثنين وعشرين (22) درجة.

2 - هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئة الأولى وأطفال الفئة الثانية في بُعد (الوجود) لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة بثلاث (03) درجات.

3 - هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئة الأولى وأطفال الفئة الثانية في بُعد (توحيد الربوبية) لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة بخمس (5) درجات.

4 - هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئة الأولى وأطفال الفئة الثانية في بُعد (توحيد الألوهية) لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة بست (6) درجات.

5 - هل توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئة الأولى وأطفال الفئة الثانية في بُعد (توحيد الأسماء والصفات) لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة بثماني (8) درجات.

 

الفرضيات:

للإجابة على هذه الإشكاليات وضعت الفرضيات التالية:

1 - توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئتين للدرجة الكلية لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة باثنين وعشرين (22) درجة.

2 - توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئتين في بُعد (الوجود) لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة بثلاث (03) درجات.

3 - توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئتين في بُعد (توحيد الربوبية) لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة بخمس (5) درجات.

4 - توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئتين في بُعد (توحيد الألوهية) لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة بست (6) درجات.

5 - توجد فروق ذات دلالة إحصائية بين متوسط درجات أطفال الفئتين في بُعد (توحيد الأسماء والصفات) لمقياس مفهوم الذات الإلهية والقيمة المفترضة المقدرة بثماني (8) درجات.

ملخص البحث:

ينقسم هذا البحث إلى خمسة فصول نظرية وفصل سادس تطبيقي.

يتناول الفصل الأول الخلفية النظرية لإشكالية البحث والفرضيات المقترحة ويعرض بعضا من الدراسات السابقة التي تعرضت إلى جوانب من هذا الموضوع، كما يبين أهمية وأهداف الدراسة.

الفصل الثاني يتحدث عن "المفاهيم"، يعرفها ويعدد أنواعها ويتحدث أيضا عن تشكلها وطرق تعلمها واكتسابها.

أما الفصل الثالث فيتمحور حول الذات الإلهية وما يتعلق بهذا الموضوع من الاستدلال على وجوده تعالى، وكذلك يتطرق إلى وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله.

وننتقل في الفصل الرابع إلى الحديث عن النظرية المعرفية، مدلولُها واتجاهاتُها، وكذا التطرق إلى ما قاله العلماء المسلمون في هذا الموضوع.

أما الفصل الخامس فتدور محاورُه حول حياة "جان بياجيه" العلمية والعملية، وكذلك ذكر رؤيته لموضوع "المعرفة"، أنواعُها وطرقُ اكتسابِها، ونظريتُه المعرفية وأسسُها الفلسفية والبيولوجية، وذكر المراحل الأربعة للتطور العقلي عند الطفل.

أما الفصل السادس فهو عبارة عن دراسة ميدانية أجريت على فئتين من الأطفال، مع عرض للنتائج المتحصل عليها

ثم يأتي الاستنتاج العام بعد تحليل هذه النتائج. ويُختتم البحث بخلاصة وملاحق.

مكان وزمان البحث:

أجري التطبيق على عينة أطفال من مؤسسات مركب المنار بالحميز (روضة المنار وابتدائية المنار والمدرسة القرآنية التابعة للمركب)

فشُرع في تطبيق المقياس على أطفال الروضة في شهر نوفمبر 2009م. وعلى أطفال الابتدائية وأطفال المدرسة القرآنية في شهر فيفري 2010م.

4 – عينة البحث:

أما فيما يخص عينة البحث فقد جاء في التقسيم الذي وضعه جان بياجيه لمراحل النمو العقلي للأطفال -كما مر بنا- أن الطفل يمر عبر أربع مراحل أساسية وهي:

1 - المرحلة الحسية الحركية (من الولادة حتى نهاية 2 سنة)

2 - مرحلة ما قبل العمليات الإجرائية (من نهاية 2 سنة حتى نهاية 5 سنوات)

3 - مرحلة التفكير الحسي- الإجرائي (من سن 7 سنة إلى سن 11 سنة)

4 - المرحلة التفكير المجرد (من سن 12 سنة إلى سن 15 سنة)

فالعينة التي اختيرت لإجراء التطبيق تضمنت فئتين:         

- الفئة الأولى تضم أطفالا من المرحلة الثانية لتقسيم بياجيه (ما قبل العمليات الإجرائية). أي (04-05 سنوات). وتتكون هذه الفئة من 70 طفلا.

- الفئة الثانية تضم أطفالا من المرحلة الثالثة من هذا التقسيم (مرحلة التفكير الحسي- الإجرائي) أي (07-08 سنوات). وتتكون من 70 طفلا كذلك.

أدوات جمع البيانات أسلوب المعاينة

والجدول التالي يوضح خصائص وعدد كل عينة:                                 

المرحلة

السن

الجنس

المدرسة

ما قبل العمليات الإجرائية

04 سنوات

ذكر

أنثى

روضة المنار

35

16

19

05 سنوات

15

20

روضة المنار

35

التفكير الحسي- الإجرائي

07 سنوات

07

28

المدرسة القرآنية

17

ابتدائية المنار

18

08 سنوات

08

27

المدرسة القرآنية

12

ابتدائية المنار

23

 

لجمع البيانات من أطفال العينتين استعملت طريقة المقابلة بالحوار المباشر فالطفل في هذا النوع من المقابلة يصرح بالإجابة وهو واثق منها، أو قد تساعد حركاته وإيماءاته وتعابير وجهه الباحث على معرفة الإجابة التي يعنيها.

بعد الحصول على المعطيات المطلوبة من خلال إجابات الأطفال أستعمل الإحصاء، وهو العلم الذي يبحث في البيانات يجمعها وينظمها ويحللها ويستقرئ النتائج منها، ثم تتخذ القرارات بناء على ذلك

ولتحليل البيانات تم استخراج المتوسط الحسابي والانحراف المعياري ومقارنة العينات باستخراج قيمة اختبار (t test) ثم الدلالة الإحصائية

أهم النتائج:

بعد الحصول على المعطيات وتحليلها باستخدام الأساليب الإحصائية، تحصلنا على نتائج تقيس الدرجة الكلية لمفهوم الله عز وجل في أذهان الأطفال وكذلك الأبعاد الرئيسية وهي وجود الله تبارك وتعالى، توحيد الربوبية، توحيد الألوهية ، توحيد الأسماء والصفات. وكل بعد من هذه الأبعاد الرئيسية تتفرع عنها أبعاد أخرى فرعية مكونة لها.

هذه أهم النتائج:

  1. أطفال الفئة الأولى لم يستوعبوا جيدا الدرجة الكلية لمفهوم "الذات الإلهية".
  2. أطفال الفئة الثانية استوعبوا بشكل أفضل الدرجة الكلية لمفهوم "الذات الإلهية".
  3. توجد فروق بين الفئتين في استيعاب الدرجة الكلية لمفهوم "الذات الإلهية"، لصالح الفئة الثانية.
  4. أطفال الفئة الأولى استوعبوا بعض الأبعاد الرئيسية لمفهوم "الذات الإلهية"، ولم يستوعبوا بعضها الآخر. كما أنهم استوعبوا بعض الأبعاد الفرعية لكل بعد رئيسي ولم يستوعبوا الأبعاد الفرعية الأخرى المكونة لهذا البعد الرئيسي.
  5. أطفال الفئة الثانية استوعبوا أغلب الأبعاد الرئيسية لمفهوم "الذات الإلهية". والأبعاد الفرعية المكونة لكل بعد رئيسي استوعبوا أكثرها.
  6. توجد فروق بين الفئتين في استيعاب الأبعاد الرئيسية والفرعية للدرجة الكلية لمفهوم "الذات الإلهية"، لصالح الفئة الثانية.
  7. الأبعاد الفرعية التي تقيس البعد الرئيسي لوجود الله تعالى أدركها أطفال الفئة الأولى بشكل كبير، في حين أن أطفال الفئة الثانية أدركوها بشكل تام تقريبا.
  8. يوجد تفاوت في استيعاب بعض الأبعاد الفرعية قبل الأخرى.
  9. الأبعاد التي تقيس توحيد الألوهية من خلال الأوامر والنواهي مثلا هي أكثر استيعابا من الأبعاد التي تقيس صفات الله وأسمائه.
  10. الأبعاد التي تتعلق بالجانب الوجداني كالمحبة والرجاء والخوف هي أقل استيعابا في كلا الفئتين، لكن بتفاوت لصالح الفئة الثانية.
  11. الأبعاد التي تقيس المفاهيم التي فيها علاقة بالحس لم يتمكن أطفال الفئة الأولى من استيعابها بشكل تجريدي، كالكيفية التي يراه أو يسمعه بها الله تعالى.

 

تجرنا النتائج التي تحصلنا عليها إلى استنتاج ما يلي:

  1. بداية تشكل مفهوم "الذات الإلهية" بشكل عام لدى أطفال الفئة الأولى (المرحلة ما قبل الإجرائية 4 - 5 سنوات). إلا أنه ما زال غامضا في بعض جوانب الأبعاد الرئيسية والفرعية.
  2. المفهوم الإجمالي لمفهوم "الذات الإلهية" بكل أبعاده الرئيسية والفرعية قد اتضح بشكل كبير عند أطفال الفئة الثانية (مرحلة الحسي-الإجرائي 7 – 8 سنوات).
  3. بما أن المفاهيم المجردة لا تدرك - حسب النظرية المعرفية لجان بياجيه - إلا في المرحلة التجريدية من عمر الطفل (حوالي 11 أو 12 سنة فما فوق). غير أنه وجد من خلال النتائج أن مفهوم "الذات الإلهية" قد استوعبه الأطفال قبل بلوغ سن التجريد. إذن قد يكون مفهوم "الذات الإلهية" مدرك فطري لا يحتاج إلى نضج تام للقدرات العقلية. وبالتالي فإننا نقول أنه ربما يكون مفهوم "الذات الإلهية" لا يندرج ضمن المفاهيم التجريدية.
  4. يدرك الأطفال مفهوم "الذات الإلهية" بطريقة تدريجية بنائية، فهم يستوعبون بعض الأبعاد الفرعية قبل الأخرى. وهذا التفاوت في فهم الأبعاد يكون في المرحلة الواحدة أو من مرحلة إلى أخرى.
  5. تدل النتائج المتحصل عليها بأن الأطفال يدركون أن "الله عز وجل" هو إله معبود يجب طاعته والامتثال لأوامره، لكن دون معرفة هذا الإله تمام المعرفة.
  6. أغلب أطفال الفئة الأولى علاقتهم الوجدانية بالله تعالى علاقة غامضة.  فحبهم ورجائهم وخوفهم متعلق بالأشخاص أو الأشياء.

إذن قد يوجد خلل في ترتيب هذه الأبعاد من حيث إدراكها من طرف الأطفال. فربما تكون المرحلة العمرية التي يمر بها نموهم العقلي والإدراكي مساهمة في هذا الخلل. لكن الشيء الذي يساعد في ترتيبها بالشكل الصحيح هو المنهجية التي يتبعها المربون في تعاملهم مع الأطفال، وبالخصوص عند غرس العقيدة في نفوسهم.

أي أننا إذا جزأنا مفهوم "الله عز وجل" إلى أبعاده الرئيسية فإن الأطفال أول ما يستوعبون هو وجوده تبارك وتعالى، ثم يتعرفون على العلاقة التي تربطهم به تعالى، ثم تتبين لهم بعد ذلك الصفات التي يتصف بها الله من جانب الربوبية. وأخيرا يتعرفون عليه من خلال الأسماء و الصفات.

وهذا التصور عن الله تعالى بهذا الترتيب في الأبعاد الرئيسية قد يرافق الإنسان مدى حياته. فبعض المسلمين يعبدون إلها لا يعرفون قدره وصفاته، فقد يعصون أوامره بسهولة. ﴿وَمَاقَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر67].

من الواضح حسب الدراسة التي أجريت أن مفهوم الله تعالى وما يحويه من المعاني هي مدركات فطرية. لا تحتاج إلى النضج التام للعمليات العقلية التجريدية. وهناك عوامل تساعد على تنمية وتوجيه هذه المعتقدات عند الأطفال، وهو الوسط التربوي الذي يعيش فيه الأطفال، بداية من الأسرة ثم المدرسة والمجتمع ووسائل الإعلام. بفضل هذا الوسط يستطيع الأطفال أن يتعرفوا على وجود الله تعالى والإيمان به.

إذن فالمفاهيم المجردة التي لا يستطيع الطفل استيعابها قبل سن الثانية عشر،-حسب نظرية جان بياجيه- ربما هي المفاهيم الخاصة بالأشياء والمعاني لمخلوقات الله. أما المفاهيم المتعلقة بوجود الله تعالى وصفاته وأبعاد توحيد ألوهيته وربوبيته، وإن كانت في نظرنا مجردة فهي مدركات أُجبل الإنسان على إدراكها. {فطرة الله التي فطر الناس عليها}

الصعوبات:

وإذا عدنا إلى ظروف إنجاز هذا البحث فقد اعترض إنجاز هذا العمل بعض الصعوبات الذاتية والموضوعية أهمها:

- إن مثل هذه البحوث تحتاج إلى مجهودات ووقت كبيرين وتفرغ لإنجازها، وهذا ما يصعب على المرأة المسؤولة على شؤون البيت ورعاية الأسرة أن تحصل عليه.

 

- إن موضوع هذا البحث يعد من المواضيع التي قلما يتطرق إليها الباحثون. فقد وجدت صعوبة في إيجاد دراسات سابقة تعين ويعتمد عليها في البحث.

 

- قلة وجود المراجع في ميدان موضوع البحث، وإن وجدت فهي باللغة الأجنبية، أو مترجمة ترجمة حرفية تخل بالمعنى.

 

موضوعات جديدة جديرة بالبحث:

بعد إتمام هذه الدراسة وعلى ضوء النتائج المتحصل عليها، ظهرت إشكالات وقضايا جديرة بالبحث وهي:

-         من خلال نتائج البحث توصلنا إلى أن الأطفال يستوعبون بعض الأبعاد قبل الأخرى. والسؤال الجدير بالبحث فيه هو إذا كان ترتيبها مناسبا أم فيه خلل يجب تصحيحه.

 

-         دراسة تأثير ما يعتقده الطفل من مفاهيم غيبية عقدية على سلوكه مستقبلا. أو بصفة أعم، علاقة معتقد الإنسان بسلوكه.

 

-         تكلم العلماء المسلمون عن مفهوم الإدراك بالفطرة (المعرفة الإلهامية أو الإشراقية). بينما العلماء الغربيون لا يتحدثون عن هذا. فالبحث في مجال النمو العقلي والنظرية المعرفية بشكل عام يحتاج إلى بحوث علمية وتكاثف جهود العلماء والباحثين.

 

-         تسطير مناهج وبرامج تربوية متخصصة ترتكز على تعريف الأطفال بالله تعالى، وتنمي فيهم مفاهيم توحد أسماء الله تعالى وصفاته و توحيد الربوبية.

 

-        قد تساهم نتائج هذا البحث في وضع البرامج الدراسية لمعرفة وقت ومنهجية التعريف بالعقيدة لأطفال الروضة والطور الابتدائي الأول.

 

عودة إلى القائمة

التعليقات 7

شيماء وسام الثلاثاء 17 أفريل 2018 - 11:38

موضوع في القمة ووفقك الله للمزيد

توفيق حفيظ الثلاثاء 30 أوت 2016 - 11:56

بحث رائع أستاذتي ،هلا تفضلتي بنشره حتى تعم الفائدة؟

ام عمار الإثنين 02 نوفمبر 2015 - 10:25

موضوع رائع نحتاج اليه بشدة أرجو نشر فكرة البحث و عرضها لمعلمات العقيدة لو ممكن نطلع على البحث لأنى أأشرف بتدريس ننفس الطريقة للأطفال و أتمنى نشره و تعلم العقيدة و الأسماء و الصفات لأطفال المسلمين

Hacini amar الإثنين 13 جويلية 2015 - 13:35

موضوع جيد. كنت اود كتابة مقال حول مفهوم الذات الالهية عند الاطفال . فاني ساستفيد كثيرا من دراستك وطريقة معالجة الموضوع . وجزاك الله عنا الف خير.

samah awad الأحد 16 نوفمبر 2014 - 12:14

الموضوع رائع جدا واختيار البحث موفق وانا اقوم بدراسة شبيهة من هذه الدراسة ولكن في مفهوم اخر الرجاء ارسال الدراسة كاملة علي ايميلي للاستفادة منها مع حفظ حقك الادبي وشكرا

ح م ابن عمر الخميس 15 نوفمبر 2012 - 18:47

هنيئا لأختنا النجاح. إنه تشريف لك، وليس هناك أشرف من العلم؛ لكن هو تكليف في ذات الوقت لإشاعة روح الفضيلة ونشر نور العلم وتقدير قيمة العمل. والله المستعان والهادي إلى سواء الصراط.

gairaa safia الثلاثاء 23 أوكتوبر 2012 - 16:23

موضوع رائع و طرح في المستوى

إضافة تعليق