انتهت المباريات...فماذا بقي من المبرّات؟؟!!

مواعظ وعبر
د. محمّد بن قاسم ناصر بوحجّام - السبت 5 جويلية 2014
انتهت المباريات...فماذا بقي من المبرّات؟؟!!

 

 

 

الرّياضة ركن أساس في حياة الفرد، ومقوّم ضروري في بناء جسمه وروحه. ممارستها

 

مقبولة، بل مطلوبة، ومناصرة من يمارسها - بشروطها وضوابطها - أمر مشروع. هذا ما

 

حدث مع محاربي الصّحراء، أو الخضر، المنتخب الوطني الجزائري في مشاركته الرّابعة

 

في نهائيّات كأس العالم، التي تجري في البرازيل بلد السّامبا، ومعقل كرة القدم، وخزّان

 

اللاّعبين، محترفي هذه اللّعبة الشّعبيّة.

 

استعدّ المجتمع الجزائري بكل شرائحه وفئاته للاحتفاء بهذا المنتخب الكبير، الذي أبهر العالم بأدائه، وأدهش منافسيه بمهارات

 

لاعبيه، وأحرج عمالقة الكرة المستديرة ببطولته وجولاته وصولاته في الميدان. احتفال الجزائريّين الكبير كان لافتًا لأنظار العالم

 

كلّه؛ بسبب تنوّع هذا الاحتفاء وتعدّد صوره، وتفنّن الجزائريّين في أساليب المناصرة والمؤازرة والدّعم المعنوي الذي قدّموه

 

لممثّليهم في المحفل الكروي العالمي المهمّ. هذا الاحتفاء ظهر في: إنشاء أقوال، وتأليف أغانٍ، وإرسال رسائل عن طريق وسائل

 

التّواصل الاجتماعي المختلفة، وشراء ألبسة وآلات، وتنظيم جلسات أسريّة وأخويّة، وإقامة ندوات رياضيّة، وولائم متنوّعة الأشكال

 

والألوان...أكبر هذه المظاهر الاحتفائيّة كانت سفر مجموعة من أوفيّاء المنتخب الذي كان الممثّل الوحيد للكرة العربيّة في البرازيل،

 

والممثّل الثّالي للعالم الإسلامي إلى جانب إيران. كلّ هذا حبًّا لهذا المنتخب، وإعلامًا عن الولاء له، وإعلاء من شأنه، وإظهارًا

 

للوطنيّة، التي هي أحد مقوّمات الشّخصيّة الأصيلة.

 

قدّم المنتخب الوطني وجهًا مشرّفًا للكرة الجزائريّة، أداء جيّدًا للّعبة، وسلوكًا محمودًا في الميدان، ما جعله ينال ثقة مناصريه،

 

ويحظى برضى مسؤوليه، وينتزع تقدير المشتغلين بشأن كرة القدم في العالم.

 

شكرًا للاّعبين على هذا التّشريف، وهنيئًا للقائمين على رياضة كرة القدم على النّجاح الذي كلّل جهودهم. السّؤال المعروض على

 

كلّ من أسهم في هذا الاحتفال هو: انتهت المباريات، فماذا بقي من المبرّات، تضيف قيمة لأبناء الجزائر بعد كلّ ما بذل وصرف

 

وقدّم وأعطي لهذ الحدث الرّيّاضي العالمي؟؟

 

هل الاحتفالات التي سبقت الموعد الرّياضي بشهور، وتكثّفت قبل أيّام من انطلاق المنافسات، وتكاثرت في أثناء إجراء المباريات

 

الأربعة، هي مقبولة عقلا وطبعًا وشرعًا؟ هل ما صرف فيها من أموال وأوقات وجهود هي من صميم الفطرة البشريّة؟ هل ما

 

بذل فيها من مختلف القربات والمكرمات، والهدايا والعطايا.. هي التّدبير الصّحيح الذي تنشده الحياة الطّبيعيّة؟ انتهت المباريات،

 

فماذا جُنِيَ من مبرّات، تضيف لشخصيّة الفرد الجزائري شيئًا جديدًا يزيدها قوّة وبناء قويمًا ؟؟

 

هل يعقل أن يتخلّى الإنسان السويّ عن واجباته الدّينيّة والدّنيويّة ليشتغل - إلى حدّ الإفراط - بما هو أقلّ قيمة وفائدة وضرورة

 

ونجاعة؟ هل إذا دُعِيَ شخص للقيام بواجب خدمة دينه ووطنه اعتذر أو أعرض، وحين يكون المجال رياضة يُجنُّ جنونه، ويفقد

 

عقله، ويتخلّى عن عزّته وكرامته ومروءته وشهامته..فيعبد الكرة، ويقدّس من يمارسها، وينفق في سبيل ذلك الغالي والنّفيس،

 

اللّذين قد يبخل بهما عن أهله وخاصّته ووطنه ودينه؟

 

هل نسي هذا الفرد أنّ هناك حسابًا عسيرًا ودقيقًا من العليّ القدير عن المال المبذَّر، وعن الوقت المهدور، وعن الكلام المنطوق؟

 

هل غفل الشّخص الذي تجاوز حدّه في المناصرة أنّه بكلّ ما فعل يكون قد أخلّ  بواجب، وفرّط في حقّ، وضيّع على الجزائر التي

 

 خرج منها أو سافر حبًّا لها – بدافع الوطتيّة – فرصًا في تنميّتها وتطوير الحياة فيها، حتّى لا تبقى تعاني شللاً أو إعاقة في اقتصادها،

 

وفي تطوّرها في كلّ المجالات، لتبقى سيّدة نفسها، فلا تكون لقمة سائغة في أفواه غيرها، وجسمًا أسيرًا في أيدي أعدائها؟!..فالذي

 

ينشغل بعقله وقلبه وجسمه في الحدث الكروي بهذه الطّريقة، وبهذا الجنون المفرط بامتياز.. سيتخلّى حتمًا عن واجبه؛ لأنّ عقله

 

سيكون مشغولا، إذ أنّه يكون مشدودًا إلى شيء آخر، وأنّ أعضاءَه لا تشتغل بما هو منوط بها في تنميّة البلاد..؛ لأنّه توجّه بعقله

 

وقلبه وجسمه شطر وجهة أخرى..فتتعطّل المصالح، وتتعثّر الحياة إلى حين رجوع الرّشد إلى نفوس من سلب منه؛ بسبب الحدث

 

الكروي. ماذا يبقى بعذ هذا من مبرّات؟!

 

كيف نطمح أن نقي وطننا أخطارًا أمنيّة، ونجنّبه لوثات فكريّة، ونمنعه من انزلاقات سياسيّة، ونحميه من سقطات اقتصادية، ونحن

 

منشغلون عنه بهذه الطّريقة، سكارى بالكرة، ثُمالى بتبذير المال، مهوسين ببذل كلّ شيء في سبيل اللّعب، مصابين بداء إهدار

 

الطّاقة.؟!

 

كيف نطمع أن نحرّر أنفسنا من الأعداء بهذا التّفكير وبهذا التّدبير والتّسيير لشؤوننا؟ كيف نحرّر فلسطين – نقطة المحور والارتكاز

 

في حياة المسلمين، بتحريرها يحيَوْن وتحفظ لهم كرامتهم، وببقائها لعبة بين أعداء الدّين يظلّون أذلاّء مستضعفين – بها السّلوك

 

وبهذا التّفكير وهذا التّصرّف؟؟

 

غرّ أبناءَنا وإخوانَنا المناصرين الأوفيّاء للكرة الجزائريّة، ما يقال لهم: إنّكم شعب من ذهب، يشرّف أينما ذهب؛ ليقف مع صانعي

 

الملاحم الكرويّة مواقف البطولة والأنفة... فحسبوا أنّهم يحسنون بذاك صنعًا، وظنّوا أنّ هذا التّقويم شهادة تقدير لما يقومون به،

 

فتمادوا في غيّهم، واستمرّوا في ضلالهم، وتفنّنوا في الجنون بالاحتفاء بالكرة المستديرة، وغفلوا عن حقيقة المناصرة، وأخطؤوا

 

وسائل الدّعم، ونسوا أن يفرّقوا بين المقبول والمنبوذ في السّلوك، ولم يستوعبوا قاعدة لا إفراط ولا تفريط. وأهملوا الضّابط الذي

 

يقول: كلّ شيء تجاوز حدّه انفلب إلى ضدّه.. لقد ضلّ سعيهم في هذا التّدبير...نقول لهم بعد ذلك ونذكّرهم: انتهت المباريات فماذا

 

بقي من المبرّات؟؟

 

يريد المناصرون أن يعبّروا عن أصالتهم في هذه النّصرة للاعبي كرة القدم، لكنّهم انحرفوا عن سواء السّبيل؛ ببعض الشّعارات

 

التي حملوها، وقد كتبت بلغات أجنبيّة، وبكلام يحمل رطانة وخليطًا هجينًا من المفردات غير المفهومة، فيها مجموعة لغات، إلاّ

 

اللّغة العربيّة غابت فيها، بل إنّ أغلب اللاّعبين كانوا ينطقون باللّغة الفرنسيّة، ما يضطرّ بعض إعلاميّي القنوات الفضائيّة العربيّة

 

أن يترجموا للشّعوب العربيّة ما ينطق به جزائريّة ينتمون إلى دولة عربيّة، حاربت الاستعمار الذي حرمها من لغتها. ليأتي من يُحيي

 

فيه الأمل: أنّ الخلف سيكون لها خير من يحفظ لها وجودها في أرض العلماء الرّبانيّين والمجاهدين المخلصين والشّهداء المضحّين.

 

بريد الأنصار أن ينقلوا للعالم صورة حقيقيّة عن جوهر الجزائريّين، وهي أنّهم أصلاء وأصحاب مروءة، يحافظون على شخصيّتها،

 

وذلك يالظّهور بأقنعة وألبسة غريبة وبألوان مستهجنة؛ تقليدًا لغيرهم وسيرًا في درب البعداء عن سمت الإسلام والنّسق العربي.

 

فأين الأصالة؟ وأين التّميّز والتّحيّز للأصول الحقيقيّة؟

 

يسافر الجميع إلى البرازيل للمؤازرة: رجالاً ونساء، كبارًا وصغارًا..فأين كرامة المرأة؟ وأين غيرة الرّجل؟ وأين شهامة الوليّ

 

الذي يرضى لنفسه أن يكون هو ومن معه من الأهل محشورًا وسط خليط من النّاس، بينهم الكاسيّة العارية، وبينهم من ظهر بأشكال

 

غريبة في لباسه وجسمه.. هل هذه هي المناصرة والمؤازرة، هل ننصر اللّعب لننتصر للقيم؟ هل نرحل عن الوطن لننحر الشّيم؟

 

انتهت المباريات فماذا بقي من المبرّات؟؟

 

ألا يعلم من احتفل واحتفى بهذه المناسبة بهذه الطّريقة أنّه مسؤول يوم القيامة عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن

 

ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به؟؟

 

مع كلّ ذلك فالله العليّ القدير كان رحيمًا بنا، حين قدّر إنهاء مباريّات الخضر بانهزام مع ألمانيا؛ رغم الأداء الرّائع والكبير الذي

 

قدّمه اللاّعبون في الميدان، وكانوا قادرين على الفوز. فعل هذا رحمة بنا، حتّى لا تتضاعف سيّئاتنا. فقد بلّغ الله أمنيّة الجزائريّين،

 

وحقّق أحلامهم ببلوغ الدّور الثّاني بجدارة وكفاية واستحقاق، ووفّقَ اللاّعبين لأداء مباراة كبيرة ضدّ فريق قويّ، لتنتهي المباراة

 

بفوز معنوي للجزائريّين، ولتبقى ذاكرة  عشّاق الكرة المستديرة مشدودة إلى الفريق الجزائري. هذه مكرمة أولى من الله عزّ وجلّ،

 

وجاءت المنحة الثّانيّة وهي إنهاء المهازل التي شوّهت سمعة من سافر ليناصر ويؤازر، لكنّه ارتكب حماقات، جَنَى منها سيّئات،

 

بدل أن يغنم مبرّات.

 

ما نرجوه أن لا يرجع الجزائريّون إلى وطنهم بقيم تتنافى مع أصالتهم، وأن لا يعودوا بمقوّمات تشربّوها هناك في البرازيل، حيث

 

العري والعهر، والفسق والمجون والحريّة المفرطة والفوضى.. نرجو أن يؤوبوا في صحّة جيدّه في دينهم ودنياهم.

 

عودة إلى القائمة

التعليقات 0

إضافة تعليق