أسئلة مهمّة قبل الإقدام على الصّيام!!

مواعظ وعبر
د. محمّد بن قاسم ناصر بوحجّام - الثلاثاء 7 جوان 2016
أسئلة مهمّة قبل الإقدام على الصّيام!!

 

 

 

 

  يقبل رمضان على المسلمين كلّ سنة، ويستقبلونه بنيّة أداء فرض من فروض دينهم،

 

ويقومون به قيامًا بواجب طاعة ربّهم، ويؤدّونه بأركانه  وشروطه؛ امتثالا لتوجيهات

 

نبيّهم. يقومون بكلّ ذلك، وهم يعلمون ويدركون أنّ الغاية الكبرى والأسنى هي الوصول

 

بالقلوب إلى تقوى الله وخشيته، كما تنصّ الآية الكريمة: "يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكُم

 

الصّيَام كما كُتِبَ على الذين منْ قبلِكُمْ لعلّكم تتّقون" (البقرة/ 183) وينطلقون في هذه العبادة السّنويّة الرّاتبة المنتظمة، وهم يطمحون

 

 أن ينالهم الفوز الذي ضمنه من الله الحديثُ للصّائمين القائمين المخلصين لله العبادة الحنفاء غير المشركين به..( من صام رمضان

 

إيمانًا واحتسابً غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه..).

 

هذه هي االآمال والمعاني التي يحملها المؤمن المقبل على أداء عبادة، لا يعلم مقدار ما قدّم فيها من دلائل الإخلاص والصّدق والوفاء

 

والالتزام والإحسان.. إلاّ ربّ الخلائق الكبير المتعالي الدّيّان.. القائل على لسان رسوله  (ص) فيما معناه: كلّ عمل ابن آدم لــه إلاّ

 

الصّوم فإنّه لي، وأنا  أجزي به..  هذه الحقيقة تدلّ على أهميّة التّقيّد بشروط القيام بهذه العبادة، التي  لا يعلم حقيقتها إلاّ عالم السّرّ

 

والنّجوى، وعالم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور..

 

       هل هذه المعاني هي حقيقة وعقيدة مرسومة ومنقوشة في قلوب المقبلين على الصّيّام؟ المتجسّدة في الخلال الآتية: الصّدق،

 

والإخلاص، والإحسان، والخضوع المطلق لله تعالى عزّ وجل، والطّاعة الكاملة للربّ المعبود، والخشية التّامة لـمن خضعت له الرّقاب

 

.. كلّ هذه الأخلاق وهذه الـمظاهر محلّها القلب، الذي يجب أن يكون سليمًا. فيؤدّي إلى ما قاله وأكّده تعالى في محكم التّنزيل: " ولا

 

تُخزِني يومَ يُبْعثون يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بَنونَ إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم" ( الشّعراء/ 87 -89) والعبادات كلّه تسعى بمن يلتزم بها إلى

 

هذا المصير، وهو  نعم المصير، لنهاية حسن الـمسير في دار الـممرِّ إلى دار الـمقرّ.

 

      هل فهم المؤدّي هذه العبادة، أنّ من وراء هذا التّعبّد والتّقرّب بهذه الفريضة  إلى ذي الجلال والإكرام والعزّ الذي لا يُرام الظّفرَ

 

بنتائج مهمّة تسعده دنيا وأخرى، منها:

 

ــ التّدريب على إتقان العبادة.

 

ــ  إتيان الأوامر والانتهاء عن النّواهي، كما أمر ونهى إلهُ الخلق أجمعين..

 

ــ تذوّق حلاوة الإيمان.

 

ــ التّدرّب على الصّدق والإحسان والإخلاص والالتزام بما هو مشروع ومفروض من ربّ الكون وربّ العالمين.

 

ــ التّدرّب على تطهير القلوب من النّفاق والحسد والحقد والبغضاء..  سئل الصّحابي عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – كيف

 

كنتم تستقبلون رمضان، قال: ما كان أحدنا يجرؤُ أن يستقبل الهلال، وفي قلبه مثقال ذرّة من حقد على أخيه المسلم".

 

التّحذير كان شديدًا، والإنذار كان عظيمًا..وخطرُ سلب الـمسلم ِ إيمانَه يكون أكبر وأعظم؛ حين يتعلّق الأمر بصلة الأرحام.. كما جاء في

 

الأثر: لا  يدخل الجنّة قاطع رحم، فمن زُحْزِحَ عن الجنّة دَخَلَ النّار؛ هذا نتيجة طبيعة  لـمن  لا يقيل صومه ولا  أيّ عمل يقدّمه عبادة لله.

 

لأنّه قاطع رحم، التي أمر الله الـمؤمنَ بوصلها، ليُوصَلَ بالله، بحبلٍ متين..

 

ــ التّدرّب على تزكيّة النّفسِ والارتفاع بها عن كلّ مظاهر الخبث والمكر والخداع والغشّ...

 

وغيرها من المعاني التي ترفع من شأن الصّائم المخلص لله في عبادته؛ لأنّه سيكون بحقّ مؤمنًا صادقًا.. والإيمان إذا استقرّ في القلب

 

كان باعثًا على السّلوك المستقيم. لأنّ الاستقامة تقود إلى مداومة العبادة، والمداومة تبعث روح مراقبة الله في السّلوك. والمراقبة هي

 

إحدى ركائز قوّة المسلم في شخصيّته، التي تورّثه خلق الامتناع عن الخروج عن شرع الله. هذا السّلوك يَـمنحه المناعةَ من الأمراض

 

التي تصيب القلب، والحصانةَ من الوقوع في الحرام.

 

      هذه هي النّتيجة التي يوصل إليه الصّيام كما قالت الآية وقرّرت: (لعلّكم تتّقون). أي إنّ التّقوى تعدّ القلوب لتخشع  لربّها، وتهيّء

 

النّفوس لتكون حريصة على عدم إفساد العبادة بما قد تقترف من الآثام..

 

    قال سيّد قطب: " فالصّوم مجال تقرير الإرادة العازمة الحازمة، ومجال اتّصال الإنسان بربّه اتّصال طاعة  وانقياد، كما أنّه مجال

 

الاستعلاء على ضرورات الجسد كلّها، واحتمال ضغطها وثقلها؛ إيثارًا لـما عند الله من الرّضى والـمتاع.." ( في ظلال القرآن، مج1،

 

ص: 107)

 

قال الشّاعر العماني سالم بن محمد المحروقي:

 

راقِبِ  الله،  إذا  مَا كُنتَ في خَلوةٍ

 

 

مَنْ  يعلمُ   الأســـــــرارَ  والـنّحوَى

إنْ كُنتَ  لا  تَقْوَى   على   نـــارهِ

 

 

فالْــــبَسْ   لبَاسَ  البــــــــــرِّ  والتّقوَى

واعْصِ   هَوَى  النّفسِ تَنَلْ  عيشَةً

 

 

راضيةً،  في   جنَّــــــــــــةِ  الـمَــــــأْوَى

هل هذه المعاني حاضرة أمام الصائم وهم يمارس العبادة؟

 

   هل علم المقبل على الصّيام أنّ المناسبة فرصة للإكثار من فعل الخيرات وترك المنكرات، وأنّها محطّة للمحاسبة وتقويم المسيرة

 

والسيّرة؟ والعلاقة مع الله والنّفس والعباد والمجتمع الواسع؟؛ تجسيدًا لـما ورد في الحديث الذي يحدّد علاقه الإنسان في هذا الوجود

 

بغيره، إذا كان متعلّقًا برجاء نيل رضى الله،  وهو جواز السّفر إلى الـمقرّ الدّائم، والنُّزُل الأبدي جنّة الـمأوى، إن شاء الله تعالى:" اتّق

 

الله حيثما كنتَ وأَتْبِعِ السّيِئَةَ الحسنةَ تـمْحُها، وخالق النّاس بخلق حسن". إنّها علاقات ثلاث: علاقة الإنسان بربّه، ثمّ بنفسه، ثمّ بغيره.

 

   هل فقه الـمقبل على الصّيام أنّ رمضان محطّة للتزوّد بالزّاد الذي يمنحه القوّة والطّاقة للمحافظة على شخصيّته الإيمانيّة طول العام؛

 

إذا عُدَّ الصّومُ القلبَ في عبادة المؤمن، إذا صلح صلح العام كلّه وإذا فسد العام كلّه، أوما يقرب من هذا المعنى.. لذا عليه أن يكثر من

 

التّوبة والاستغفار وطلب الجنّة كما ورد في الحديث المشهور. كما يقوم بأداء الحقوق التي عليه، وردّ المظالم إلى أهلها، والتّنصّل من

 

التّباعات..و غير ذلك ممّا هو ملزم به، لتحسن توبته.

 

     أي هل فقه العازم على الصّيام أنّ عليه أن يعرض على نفسه الأسئلة الآتية، ثمّ يحيب عليها عمليًّا: هل أدّى زكاته؟ هل سَـجَّلَ ما

 

عليه من كفّارات، ليخرجها إلى الفقراء والـمساكين؟ هل كتب وصيّته؟ هل ردّ الـمظالم إلى أهلها؟ هل عرف ما عليه من ديون؟ هل

 

هو مجتهد في تسديدها؟ هل وصل رحمه؟ هل.. وهل.. من الأسئلة الكثيرة التي يمنحها له  رمضان فرصَةً ذهبيّةً للتّأمّل فيها ووضع

 

خطط وبرامج للإجابة عنها عمليّا، قبل فوات الأوان، وقبل أن يقال له – لا قدّر الله – لات ساعة مندم، ولات حين مناص..

 

هل علم الصّائم أنّ عليه أن يكثر من النّوافل في كلّ شيء: صلاة وتسبيحًا وصدقة، وتلاوة القرآن، وقراءة ما ينفعه دنيا وأخرى،

 

وحضور مجالس الذّكر، والإكثار من الدّعاء..؟

 

هل هذا ما يدور في خلد الصّائم؟ هل هذا ما يسكن قلبه؟ هل هذا ما يشدّ عبادته وينتظمها وينظّمها؟؟

 

هل علم المقبل على الصّيام أنّ رمضان مدرسة يتلقّى فيها حقيقة الإيمان، ويتعلّم كيف يعبد الله حقّ العبادة؟ هل فهمَ أنّها  مفتوحة على

 

كلِّ أنواع التّكوين، التي تقرّب إلى الله زلفى؟ وتتيح له وسائل سياقة نفسه إلى جنّته العليا؟

 

هل فقه أنّ رمضان فرصة للذّكرى، وذكّر فإنّ الذّكرى تنفع الـمؤمنين؟

 

هل علم أنّه محطّة لاختبار إيمانه؟ ثمّ تصحيحه؟ ثمّ تقويّته؟

 

هل تفطّن وأدرك أنّه وسيلة لـمحاربة الغفلة، التي هي سبب هلاك الـمسلمين وخسارتهم الآخرة؟، والقرآن كثيرًا ما نبّه إلى عاقبة

 

الغفلة. كقوله تعالى: " يعلمون ظاهرًا من الحياة الدّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" (الرّوم/ 7).

 

هل تبيّن له أن رمضان فرصة لتجديد العهد مع العبادة الصّحيحة والعبوديّة لله وحده؟

 

   أسئلة كثيرة يجب أن يعرضها الـمهمُّ بالصّيام على نفسه وهو يَبْغِي القيام بهذا الواجب الدّيني أحسن قيام، حتّى لا يبغي على نفسه..؛

 

بعدم التّوفيق إلى عرضها على نفسه، أو بالفشل في الإجابة عليها إجابة صحيحة... يمكن تلخيص هذه الأسئلة في الآتي: لـماذا أصوم؟

 

كيف أصوم؟ عمّاذا أصوم؟ ماذا أفيد من الصّيام؟ وغيرها من الأسئلة التي تعطيه العلم الصّحيح في ممارسة العبادة، وتقدّم له بعض

 

الاطمئنان إلى سلامة ممارسته فريضةَ الصّيام.. والله عزّ وجلّ  لا يعبد عن جهل.

 

       نسأل الله تعالى أن يخرجنا من هذا الامتحان مع هذه الأسئلة بنجاح وفلاح وفوز كبير؛ بما تضمّنته الآية الكريمة:  "وَعَدَ اللهُ

 

الـمؤمنين والـمؤمنات جنّاتٍ تـجري من تـحتها الأنْهارُ خالدين فيها ومَساكِنَ طيِّبَةً في جنَّاتِ عَدْنٍ ورِضْواٌ منَ الله أكْبَرُ ذلك هوَ الفوزُ

 

العظيم" (التّوبة/ 72).

عودة إلى القائمة

التعليقات 0

إضافة تعليق